قوله: (وأسروهم) لا للاسترقاق لأنه لا يجوز استرقاق مشركي العرب كما لا يجوز
أخذ الجزية منهم بل للتَقْييد (والأخيذ الأسير) .
قوله: (واحبسوهم) كونه مغايرًا للأخذ والأسر أن الأسر ليس بشرط فيه الحبس أو
الْمُرَاد بالحبس المحاصرة وهذا أي الْمُرَاد بالأسر التَّقْييد لم يفسر الحصر بالتَّقْييد لأنه
يستلزم التكرار والزَّمَخْشَريّ فسره به فيلزم التكرار للتأكيد ولا ضير فيه والأمر هنا للإباحة
والتخيير بين هذه الأمور، والعطف بالواو للإذن بأجمعها فالبعض يقتل والآخر يسر أو
يحصر وأحصر (أو حيلوا بينهم وبين المسجد الحرام) .
قوله: (وانتصابه عَلَى الظَّرْف) أي انتصاب كل عَلَى الظَّرْف أي عَلَى الظرفية ؛ إذ كل
يأخذ حكم الْمُضَاف إليه في عموم الاسْتعْمَال والمرصد عامله وأرصدوا فإن الْمُرَاد بـ اقعدوا
لهم أي وارصدوهم كل مكان يرصد فيه ولم يلتفت إلَى ما قبله الأخفش من أن الْمَعْنَى
على كل مرصد فنصبه بنزع الخافضية لأنه خلاف الظَّاهر (فإن تابوا) الفاء لترتب ما بعده عَلَى
ما قبله كلمة إن بالنظر إلَى ما في نفس الأمر فإنه محتمل فيه ومتى كان العامل في المكان
الْمَخْصُوص عاملًا من لفظه أو من معناه جاز انتصابه بغير واسطة في نحو جلست مجلس
زيد وقعدت مجلس عمرو ذكره الرضي وغيره وهنا لما كان العامل ارصدوا في المآل حسن
انتصاف مرصد به بدون لفظه .
قوله: (فدعوهم) الخ. بعد الأسر والحبس لشمول الحكم للمأمور وغيره، واستدل
الشَّافعيّ بهذه الآية عَلَى قتل تارك الصلاة بأنه ورد الأمر بالقتل والأسر والحصر ثم علق
تركها عَلَى التَّوْبَة عن الكفر وعلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فما متى لم يوجد هذا
المجموع يبقى الأمر الْمَذْكُور بحاله، فيجوز قتل تارك الصلاة بدلالة مفهوم المخالفة، ونحن
لا نقول به، وأَيْضًا يحتمل أن يراد بالتخلية الإطلاق عن الأسر والحبس كما هُوَ الظَّاهر من
لفظ التخلية ولهذا قال أبو حنيفة بحبس تارك الصلاة ومانع الزكاة فلا مساغ لقتله مع هذا
الاحتمال، وَأَيْضًا دليل الشَّافعي منقوض بمانع الزكاة فإنه جار فيه مع تخلف المدعي فإن
الشَّافعي لا يقول بقتله عَلَى أن قوله عَلَيْهِ السَّلَامُ"فإذا قَالُوا لَا إلَهَ إلَّا الله عصموا دماءهم"
الخ. الناطق بعدم قتل من ترك الصلاة والمفهوم لا يعارض المَنْطُوق. وبالْجُمْلَة لا يصح قتل
الفاسق المعلن بترك الفروع ما لم ينكرها، وأما عدم الاكتفاء بالتَّوْبَة عن الشرك فلأن الصلاة
والزكاة يدلان عَلَى أن تصديقهم وإيمانهم تام مؤيد ببعض شعب الإيمان وتَخْصيص الصلاة
لأنها تصريح في مذهب الشَّافعيّ، إلا أن يقال مراده الصلاة عماد الدين والزكاة قنطرة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: والأخيذ الأسير. فعيل بمعنى مَفْعُول هذا بيان لوجه تفسير وخذوهم بقوله: (وأسروهم)
لأن الظَّاهر من كتب اللغة أن الأخذ أعم من الأسر، فلا وجه بحسب الظَّاهر لأن يفسر الأعم
بالأخص وتَخْصيصه بالأسر مُسْتَفَاد من العرف فإن أهل العرف خصصوه به فكان تفسير الأخذ
بالأسر تفسيرًا بالمساوي نظرًا إلَى اسْتعْمَال أهل العرف .