الدَّالَّة عَلَى ذلك فإن تصديق ما يتوقف الشرع عليه إنما يتحقق بالأدلة الْعَقْليَّة فالْمُرَاد
بالتصديق هنا نقيض الكفر، أشير إليه في الكَشَّاف وسيلوح إليه الْمُصَنّف .
قوله: (ويصدقهم) أشار أولًا إلَى زيادة اللام حيث لم يقل ويصدق لهم كما قال فيما
سبق ويصدق به ثم صرح به ثانيا .
قوله: (لما علم من خلوصهم) أي الْمُرَاد بتصديقهم التصديق في مقالهم وقبول
كلامهم لكون كلامهم خيرًا ومقالهم صدقًا (واللام مزيدة للتفرقة) أراد بيان وجه تعدية
الإيمان بالباء في يؤمن باللَّه، ووجه اسْتعْمَاله باللام في يؤمن للْمُؤْمنينَ توضيحه أن المستعمل
بالباء بمعنى الاعتراف كما حقق الْمُصَنّف في قوله: (الَّذينَ يُؤْمنُونَ بالْغَيْب) .
ولذا قال (يؤمن باللَّه) أي يعترف ويصدق بوحدانيته تَعَالَى وسائر صفاته العلى بالبراهين الْعَقْليَّة
كما مَرَّ آنفًا (بين إيمان التصديق فإنه بمعنى التسليم) .
قوله: (وإيمان الأمان) أي جعلهم في أمان من التَّكْذيب بتصديقهم فيما يقولون وأنت
خبير بأن كون هذا الْقَوْل تفسيرا لكونه أُذُنُ خَيْرٍ بالنظر إلَى هذا الإيمان الأخير، وأما ذكر الأول
فللتمهيد إظهارًا لشرفه وموقوف عليه لسائر المبرات. وقيل الْمُرَاد بالأدلة الأدلة السمعية
كالوحي والْقُرْآن ولذا أدرجها في التَّفْسير. والْمَعْنَى هُوَ أُذُنُ خَيْرٍ يسمع آيات الله ودلائله
فيصدقها انتهى. وهذا مخالف لما فهم من تقرير الْمُصَنّف وصرح به الزمخشري من أن الْمُرَاد
بالإيمان باللَّه ما هُوَ نقيض الكفر، والظَّاهر أن الْمُرَاد تصديقه بوجوده وصفاته لا تصديق مقاله .
قوله: (أي وهو رحمة) إشَارَة إلَى أن رحمة مرفوع مَعْطُوف عَلَى أُذُنُ خَيْرٍ وسيجيء
الاحتمال الآخر .
قوله: (لمن أظهر الإيمان) فسره بذلك لأنهم مُنَافقُونَ، وإنَّمَا حمله عليه مع أنه عليه
السلام رحمة للْمُؤْمنينَ المخلصين أَيْضًا لاقتضاء المقام ولذا قال(حيث يقبله ولا يكشف
سره)وكونه رحمة بهذا الوجه مختص بالْمُنَافقينَ (فيه تنبيه عَلَى أنه ليس يقبل قومكم جهلًا) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: للفرقة بين إيمان [التصديق] أي تسليم قائل في قوله ومقابلة التَّكْذيب في ذلك وبين
إيمان الأمان وهو التصديق بحقية الحق، ويقابله الكفر والجحود بالحق. وفي الكَشَّاف عُدي فعل
إيمان بالباء إلَى الله وإلى الْمُؤْمن باللام لأنه قصد التصديق بالله الذي هُوَ نقيض الكفر به فعُدي
بالباء وقصد السماع من الْمُؤْمنينَ وأن يسلم لهم ما يقولونه ويصدقه لكونهم صَادقينَ عنده فعدي
باللام ألا ترى إلَى قَوْله: (وَمَا أَنْتَ [بِمُؤْمِنٍ لَنَا] وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) ونحوه(فَمَا
آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ) (أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ) .
(آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ) .
قوله: حَيْثُ يقبله علة للرحمة أي رحمة لهم من جهة أنه يقبل إيمانهم الذي أظهروه ولا
يكشف سره.
قوله: وفيه تنبيه عَلَى أنه ليس يقبل قولكم جهلًا بحالكم بل رفقًا بكم. وجه التنبيه أن الآية