قوله:(أو لإدراك الحقائق كما قال عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «من عمل بما علم ورثه الله علم
ما لم يعلم»)أراد أن الْمَفْعُول الثاني للهداية يجوز أن يكون إدراك الحقائق ونبه بإيثار إلَى أولًا
واللام ثانيًا عَلَى أن الهداية تتعدى بهما، وميل الْمُصَنّف إلَى أن الهداية لا تتعدى بنفسها حيث
قال في قَوْله تَعَالَى: (اهْدنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ) وأصله أن يعدى باللام أو إلَى
فعومل معاملة اختار في قَوْله تَعَالَى: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ) انتهى.
وذهب البعض إلَى أنها تتعدى بنفسها كما تتعدى بهما لكن ما جنح إليه الْمُصَنّف أقرب إلَى
القبول، ثم الْمُرَاد بسلوك سبيل سلوك سبيل في الْآخرَة كما قال تَعَالَى:(يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ
أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ)الآية. وإرادة سلوك طريق في الدُّنْيَا يأبى عنها اعتبار العمل
في مضمون الصلة، إلا أن يقال أُريد لها تزايد العمل والترقي في التَّقْوَى فحِينَئِذٍ يتحقق شدة
الالتئام بينه وبين قوله أو لإدراكه. والحقائق حقائق الأشياء عَلَى ما هي عليه في نفس الأمر
المعبر عنه بالْحكْمَة أي يتجلى بصائرهم بالإيمان والعمل حقائق الأمور بلا كسب ونظر
بالصدور كما قال عَلَيْهِ السَّلَامُ:"اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله"والْمُرَاد بالعمل ما هُوَ
أعم من عمل القلب أعني الإيمان والتوريث مُسْتَعَار لفيض العلم بلا اختيار وصرف العقل
نحوه فالتوريث هنا في غاية البهاء ونهاية المبتغى.
قوله: (أو لما يُريدُونَه في الجنة) من الرؤية واللقاء مع أشراف الرفقاء. عطف عَلَى
لإدراك الحقائق ولو لم يعتبر للهداية مَفْعُول ثانٍ معين بأن يقدر لها مَفْعُولًا عامًا كالمطالب
العلية أو بأن تنزل منزلة اللازم لكان أعظم نفعًا وأحسن سبكًا، وهذا المقدر والمقدر الأول
قرينة قوله بعده (تجري من تحتهم) الآية. وأما التقدير الثاني فبالقرينة
الواضحة من الأدلة الباهرة كما أشار إليه الْمُصَنّف بقوله كما قال الخ. ولو جعل الثالث
ثانيًا أو الوجه الثاني أول لوقع الْكَلَام عَلَى أشد النطام.
قوله: (ومفهوم الترتيب) أي ترتيب مضمون الصلة بعطف العمل الصالح عَلَى الإيمان
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
متعلقه الذي هُوَ المهدى إليه محتملًا لهذه الأمور الثلاثة الْمَذْكُورة. فالأول من هذه الثلاثة في
الْآخرَة لأن المُسْتَفَاد من الآية أن الهداية متأخرة عن الإيمان والعمل الصالح، والثاني أعم والثالث
في الْآخرَة ذكر صاحب الكَشَّاف هنا وجهًا آخر قال: (يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ) .
يسددهم بسَبَب إيمانهم الاستقامة عَلَى سلوك السبيل المؤدي إلَى الثواب وهذا والهداية في الدُّنْيَا
والمهدى إليه في هذا الوجه هُوَ الثبات عَلَى الإيمان والعمل الصالح المؤدي إلَى الثواب.
قوله: ومفهوم الترتيب فإن دل الخ. وجه الدلالة أن ترتيب الحكم عَلَى الوصف سبب لذلك
الحكم وأن الحكم محلل به لكن دل مَنْطُوق قوله: (بِإِيمَانِهِمْ) عَلَى استقلال الإيمان
بالسببية. وجه الدلالة عَلَى الاستقلال في السببية أن الإيمان لم يقرن بالعمل في قوله: (بِإِيمَانِهِمْ)
كما قرن في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَملُوا الصَّالحَات) فإن مجرد
الإيمان فيه غير مستقل بالسببية للهداية بل مفهوم منه أنه سبب للهداية بمقارنة العمل الصالح له.
فهذه النُّكْتَة التي ذكرها الْمُصَنّف بأن قال: دل مَنْطُوق الآية قوله: (بِإِيمَانِهِمْ) عَلَى