أمر النبوة والرسالة (عَلَى نحو ما تشتهونه) من إتيان قرآن غير هذا أو التبديل الْمَذْكُور
الموافق لهواكم. وهذا الْكَلَام مسوق للإلزام ولا يريد بذلك أنه لو كان الأمر بمشيئتي
لأجبت مرامكم ولأسعفت مآربكم فإن منصبه بعيد كل البعد عن ذلك (ثم قرر ذلك) أي
كون الأمر بمشيئته تَعَالَى وأن الْقُرْآن منزل منْ عنْد اللَّه لا من تلقاء نفسه (بقوله) .
قوله: (مقدار عمر أربعين سنة) أي قبل النبوة والرسالة. وقيل منَّ الله تَعَالَى عليَّ بهذه
الكرامة أشار الْمُصَنّف إلَى تقدير الْمُضَاف؛ إذ الْمَعْنَى لا يحسن بدونه. وقيل العمر يشبه
بظرف الزمان فينتصب انتصابه أي مدة وهي أربعين سنة وهو الظَّاهر؛ إذ العمر عبارة عن
زمان الحياة كما فهم من اللغة، والظَّاهر أن مراد الْمُصَنّف توضيح لا بيان الْمَعْنَى؛ إذ
المُتَعَارَف عمر فلان مقدار خمسين أو ستين لا احتياجه إلَى تقدير الْمُضَاف كون عمره
مقدار أربعين؛ إذ العقل يكمل حِينَئِذٍ. وروي أنه لم يبعث نبي إلا عَلَى رأس أربعين كما نقله
الْمُصَنّف في سورة القصص، وقد تظاهرت الأخبار أنه عَلَيْهِ السَّلَامُ بعث عَلَى رأس أربعين
سنة. ومن هذا قيده بالأربعين.
قوله: (من قبل الْقُرْآن) أي من قبل نزوله أو من قبل تلاوته وتبليغ أحكامه.
قوله: (لا أتلوه ولا أعلمه) حال أي لبثت حال كوني غير تالٍ ولا عالمٍ. بيان لحاله
عَلَيْهِ السَّلَامُ قبل الوحي من كونه أميًا لم يعلم ولم يكتب ولم يستمع. فإن اللبث فيما بينهم
ليس بمقرر ذلك مُطْلَقًا بل اللبث عَلَى الوجه المشروح مقرر ذلك فلذلك قيده بذلك القيد
تنبيهًا عَلَى أن مراده عَلَيْهِ السَّلَامُ باللبث اللبث عَلَى هذا المنوال وإطلاق الْكَلَام لأنهم
معترفون بذلك المرام بحَيْثُ لا ينكر أحد من الخواص والعوام.
قوله: (فإنه إشَارَة) علة لقوله ثم قرر ذلك.
قوله: (إلَى أن الْقُرْآن معجز خارق للعادة) أي فإنه إشَارَة إلَى أن الْقُرْآن وحي من الله
تَعَالَى وقد ظهر في يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع كونه لم يمارس في المدة الْمَذْكُورة علمًا ولم
يشاهد عالمًا فدل الْقُرْآن عَلَى رسالته من هذا الوجه فكان معجزًا خارقًا للعادة والأحسن أن
يقال فإنه إشَارَة إلَى أن الْقُرْآن ليس من تلقاء نفسه بل معلم به من الله تَعَالَى كما قال بذلك
في آخر قوله: وينتجه مقدماته حتى يكون ردًا بليغًا لما عرضوا له بهذا السؤال، فعلم من هذا
التقرير أن قوله (فقد لبثت) إرشاد إلَى التأمل في شأنه عَلَيْهِ السَّلَامُ حتى
يعرفون أنه عَلَيْهِ السَّلَامُ بعيد فيما رموه وإن الْقُرْآن ليس مخترعًا بل هُوَ وحي منه تَعَالَى
فيكون دليلًا آنيًا وقوله: (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) دليلًا لميًا.
قوله:(فإن من عاش بين أظهرهم أربعين سنة لم يمارس فيها علمًا ولم ينشئ
قريضًا)القريض الشعر من القرض بمعنى القطع (ولا خطبة. ثم قرأ عليهم كتابًا) .
قوله: (بذت) أي غلبت البذ بالذال الْمُعْجَمَة الغلبة (فصاحته) الْمُرَاد بالفصاحة هنا
البلاغة؛ إذ ارتفاع شأن الْكَلَام وانحطاطه بالبلاغة وبمطابقته للاعتبار الْمُنَاسب وعدمه.