لمعنى غنى لأن غنى بالمكان معناه قام وسكن ولذا فسر الْمُصَنّف في سورة هود قوله:
(كأن لم يغنوا) بقوله: (كأن لم يقيموا فيها) فمعنى لم يثبت حاصل
الْمَعْنَى لا تفسير المبنى.
قوله: (والْمُضَاف مَحْذُوف في الموضعين) بل في المواضع الأربعة، ومن هذا قال في
الكَشَّاف عَلَى حذف الْمُضَاف في هذه المواضع ولا بد منه وإلا لم يستقم الْمَعْنَى الخ. ولعل
التَّخْصِيص لأن المُبَالَغَة متحققة فيهما دون غيرهما.
قوله: (للمُبَالَغَة) يعني كأن الْأَرْض نفسها قلعت فجعلت حَصيدًا مُبَالَغَة في إفناء
الزرع، وفي الثاني كأن الْأَرْض لم تمكث في مقره بل زال عن مكانه مُبَالَغَة في زوال ما فيها
بحَيْثُ لم يبق مراسم وآثار بوجه تحير ذوي الأبصار، وأما صاحب الكَشَّاف فلم ينظر إلَى
هذه المُبَالَغَة ونسبه عَلَى مجرد حذف الْمُضَاف في المواضع العديدة.
قوله: (وَقُرئَ بالياء عَلَى الأصل) أي بإرجاع الضَّمير مذكرًا إلَى الزرع الْمُضَاف
الْمَحْذُوف فحِينَئِذٍ تفوت المُبَالَغَة الْمَذْكُورة، ولهذا رَجَّحَ الْمُصَنّف القراءة بالتاء عَلَى القراءة
بالياء. قيل ويجوز التَّجَوُّز في الإسناد، ولا يخفى عليك أنه يجوز أَيْضًا التَّجَوُّز في اللَّفْظ أي
الْأَرْض مجاز للزرع لكن الشَّيْخَيْن لم يردا استيعاب الاحتمالات بل نسبها عَلَى استقامة
الْمَعْنَى، كَمَا صَرَّحَ به الزَّمَخْشَريّ.
قوله: (فيما قبيله) بالتصغير وفي [نسخة] فيما قبله بالتكبير وأمس يراد به اليوم الذي قبل
يومك ويراد به ما مضى من الزمان مُطْلَقًا مَجَازًا إطلاقًا لاسم المقيد عَلَى المطلق كقول زهير:
وَأَعْلَمُ عِلْمَ الْيَوْمِ وَالْأَمْسِ قَبْلَهُ
والأول مبنى لتضمنه معنى حرف التعريف وهو اللام وعلى الكسر لاجتماع الساكنين
وكونه أصلًا في تحريك الساكن والثاني معرب ويضاف وتدخله الألف واللام كما في النظم
الجليل (وهو مثل في الوقت القريب) والتصغير أنسب بهذا أي الأمس مُسْتَعَار للوقت
القريب لا يراد به الزمان الذي قبل يومك خاصة فالعلاقة ما قلنا أولًا من الإطلاق والتَّقْييد
أو المشابهة في القرب، وعلى كلا التقديرين لا يراد بالمثل هنا ما هُوَ المصطلح عليه عند
أهل البيان فإنه مختص بالمركب.
قوله: (والممثل به) لما كانت أداة التشبيه داخلة عَلَى المفرد وهو الماء وأوهم ذلك
كون الممثل به ذلك الماء وليس الأمر كَذَلكَ حاول الْمُصَنّف تحقيق الْكَلَام وتحرير المرام.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: والمضاف مَحْذُوف في الموضعين للمُبَالَغَة. أي الْمُضَاف الذي هُوَ لفظ الزرع مَحْذُوف
في (فجعلناها) وفي (كأن لم تغن) لأن المجعول حصيدا هُوَ الزرع لا نفس الْأَرْض وكَذَلكَ المنفي عنه
الغناء هُوَ الزرع لا الْأَرْض. وجه المُبَالَغَة في حذف الْمُضَاف هُوَ إفادة أن الجعل والانتفاء سريًا من
الزرع إلَى الْأَرْض.
قوله: والممثل به مضمون الحكاية. أي الممثل به في التمثيل الأول وهو قوله عز وجل: