الْحَديث قصر الإحسان عَلَى الإحسان بحسب الكيفية لكنهم حملوا ما في الْحَديث عَلَى
الكيفية وعمموا الإحسان إلَى الإحسان بحسب الكمية بشهادة اسْتعْمَال الشرع والعرف فيه
وإنما أطلق في الْحَديث لكون الكيفية فردًا كاملًا وزيادة جعلت نكرة لقصد الإبهام فيها غير
محدود بحد سيشير إليه الْمُصَنّف، وأما الحسنى فجعلت معرفة لتعينها إما بكونها في مقابلة
الإحسان أو بكونها مثل حسناتهم أو بكونها جنة .
قوله: (وما يزيد عَلَى المثوية تفضلًا لقوله:(ويزيدهم من فضله) أي
الزّيَادَة مصدر بمعنى اسم الْفَاعل مَجَازًا سمي بها مُبَالَغَة. أي الزائد عَلَى مثوبته الكائنة في مقابلة
حسناتهم بمقتضى وعده تَعَالَى، وأما الزائد فتفضل منه تَعَالَى كما أشار إليه بقوله تفضلًا وكل
شيء أعطي العامل لا يلزم أن يكون أجرًا في مقابلة عمله كما يشاهد في إجرائنا فلا يرد أن
الزائد من جنس الثواب فَكَيْفَ يصح مقابلتها له. وقيل الحسنى مثل حسناتهم أي المثل كمًا .
قوله: (وقيل الحسنى مثل حسناتهم) أي كما يدل عليه قوله (والزّيَادَة عشر أمثالها)
وهذا يخالف قَوْلُه تَعَالَى: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) الآية. ولذا
مرضه (إلَى سبعمائة ضعف وأكثر) .
قوله: (وقيل الزّيَادَة مغفرة من الله ورضوان) يحتمل أن يكون الْمُرَاد بالحسنى عند
هذا القائل المثوبة مثل حسناتهم كما هُوَ الْمُتَبَادَر من ذكره في جنبه أو المثوبة مُطْلَقًا كما هُوَ
الظَّاهر الصواب، وعلى هذا الْقَوْل تنكير الزّيَادَة للتفخيم لا لكونه غير محدود كما ذكرنا
وكذا الْكَلَام إذا أريد بها اللقاء .
قوله: (الحسنى الجنة والزّيَادَة هي اللقاء) قيل هذا التَّفْسير المَأْثُور عن الصحابة كأبي
بكر وأبي مُوسَى وحذيفة وعبادة والحسن وعكرمة وعطاء ومقاتل والضحاك والسدي. وفي
صحيح مسلم ومسند أحمد وغيره عن النَّبيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قال:"إذا دخل أهل الجنة الجنة"
ينادي مناد إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه. قَالُوا ألم يبيض وجوهنا وينجينا من
النَّار ويدخلنا الجنة؟ قال فيكشف الحجاب فوالله ما أعطاهم شَيْئًا أحب إليهم من النظر إليه""
زاد في مسلم ثم تلا: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) الآية. ولذا اعترض
على الْمُصَنّف بأنه تبع الزَّمَخْشَريّ في تضعيف هذا الْقَوْل. وقوله إنه حديث مرقوع بالقاف
أي مفترى ولا يَنْبَغي أن يصدر منه مثله فإنه حديث متفق عليه صحة فحرف وأساء الأدب
انتهى. واتباعه للزمخشري في تضعيف هذا الْقَوْل وإن سلم لكن لا نسلم اتباعه له في قوله
إنه حديث مرقوع بالقاف ؛ إذ لم يتعرض الْمُصَنّف للحديث وحاشاه عن [ذلك] إذ الزَّمَخْشَريّ
لإنكاره الرؤية تجاسر عَلَى ذلك. ولا يبعد أن يقال في وجه تضعيف هذا الْقَوْل إن
التَّخْصِيص خلاف الظَّاهر وما يزيد عَلَى مثوبته تفضلًا عام للرؤية أَيْضًا [فيوجب] العمل
بالْحَديث الشريف فما الباعث عَلَى تَخْصيصها بالرؤية والْحَديث الشريف لا يقتضي الحصر
وهذا الأسلوب من عادة الْمُصَنّف في أكثر المواضع فنسبة التعريف وإساءة الأدب إلَى
الزَّمَخْشَريّ في غاية البهاء وإن عمم إلَى الْمُصَنّف أَيْضًا ففي غاية من الشنعاء، وكون الْمُرَاد
من الحسنى عَلَى تقدير المثوبة الحسنى الجنة مجاز باعْتبَار المحلية ؛ إذ المثوبة والثواب