ينفع الإيمان فقوله حين لا ينفعكم الإيمان توضيح معنى إذا ما وقع بهذا الطريق وبعد وقوعه
معنى ثم مدخوله مقدر بقرينة إذا ما وقع وثم منسلخ عن معنى العطف بمعنى بعد، وجعله
عطفًا بتقدير الْمَعْطُوف وإن أمكن لكنه تكلف هذا ما سنح لي من تقريره كما لا يخفى عَلَى
من تأمل في عبارته وأن يرى بعضه ظاهرًا لما تقرر في محله، فلا يرد الإشكال بأن ثم حرف
عطف لم يسمع تقدير الْجَوَاب به والْجُمْلَة المصدرة بالاسْتفْهَام لا تقع جوابًا بدون الفاء كما
مر، وأما الْجَوَاب عنه بأنه أجري ثم مجرى الفاء فكما أن الفاء في الأصل للعطف والترتيب
وقد ربطت الْجَزَاء فكذلك هذه فمخالف لإجماع النحاة وقياسه عَلَى الفاء غير جلي ولذا قيل
مراده أنه يدل عَلَى جواب الشرط والتقدير إن أتاكم عذابه آمنتم بعد وقوعه وقوله:(أَثُمَّ
إذا)مَعْطُوف عليه للتأكيد نحو: (كَلَّا سَيَعْلَمُونَ(4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5) .
ولا يخفى تكلفه فإن عطف التَّأْكيد بـ ثم مع حذف المؤكد مما لا يَنْبَغي ارْتكَابه انتهى. وعدم
الورود واضح مما قررناه من أن الْجَوَاب الْقَوْل وتقدير الْقَوْل كثير شائع والباقي جلي واضح
ونعم ما قيل في التمثيل (كَلَّا سَيَعْلَمُونَ(4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5) . وَقُرئَ (ثَمَّ) بفتح
الثاء قال الطبري في قَوْله تَعَالَى: (أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ) معناه أهنالك وليست
ثم التي للعطف انتهى . وفي المغني: وهذا وهم أثبته عليه ثم المضمومة الثاء بمفتوحها انتهى.
والقراآت يفسر بعضها بعضًا فقراءة (ثَمَّ) بفتح الثاء ربما يؤيده .
قوله: (وماذا تستعجل اعتراض) أي بين الشرط والْجَزَاء فَائدَة الاعتراض التوبيخ
والتقريع عَلَى استعجال ما يفزع من مجيئه فزعًا شديدًا .
قوله: (ودخول حرف الاسْتفْهَام عَلَى ثُمَّ لإنكار التأخير) أي تأخير الإيمان فلا ينافي
ما قلنا من أن الاسْتفْهَام مسلط عَلَى الإيمان الواقع بعد وقوع العذاب فأصل الإيمان ليس
بمنكر بل المنكر الإيمان الواقع حين اليأس، وعن هذا أدخل الاسْتفْهَام عَلَى ثم نظيره(أَغَيْرَ
اللَّهِ تَدْعُونَ)فإن أصل الدعاء ليس بمنكر بل المنكر دعاء غير اللَّه؛ ولذا أدخل الاسْتفْهَام عَلَى
غير مع أنه مَفْعُول تدعون فالاسْتفْهَام مسلط عَلَى الدعاء الْمَخْصُوص دون المطلق، وكذا
الْكَلَام فيما نحن فيه وهذا معنى تسلط الاسْتفْهَام عَلَى الإيمان الْمَخْصُوص والدعاء
الْمَخْصُوص، ثم الْمُرَاد بالإنكار الإنكار الواقعي دون الوقوعي .
قوله: (عَلَى إرادة الْقَوْل) إذ بدون الْقَوْل لا يرتبط بما قبله ولا معنى له لمكان
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: الآن عَلَى إرادة الْقَوْل فيكون نصبه بـ آمنتم المقدر بعده عَلَى الظرفية له، وتمام التحقق في
هذا المقام أن جواب الشرط في (إن أتاكم عذابه) إذا كان مَحْذُوفًا فتقدير الْكَلَام أخبروني أي شيء من
العذاب تستعجلونه، ثم قيل تقريرًا للإنكار إن أتاكم عذابه تعرفوا الخطأ فيه ثم عطف قوله:(أَثُمَّ إِذا
ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ)عَلَى الْجَزَاء الْمَحْذُوف لبعد ما بين المرتبتين وأدخل همزة الإنكار
بين الْمَعْطُوف والْمَعْطُوف عليه وإن كان الْجَوَاب (مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ) فالتقدير أخبروني إن
أتاكم عذاب الله فأي نوع من العذاب تستعجلونه فتذوقونه، وإن كان الْجَوَاب ما يدل عليه قوله:(أَثُمَّ
إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ)فالتقدير إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم