يستلزم الاعتناء والاهتمام بذلك الشيء لكن لو قدم ما من لفظه لكان أحسن سبكًا، أَلَا [تَرَى] أن
الزَّمَخْشَريّ اكتفى به أولًا ثم بين ذلك عَلَى طريق الجواز تنبيهًا عَلَى قوة الوجه الأول.
قوله: (فبذلك) إشَارَة إلَى الفضل والرحمة؛ إذ الْمُرَاد بهما واحد كما هُوَ الظَّاهر أو
باعْتبَار ما ذكر أو الْمَذْكُور. قيل وهو مَشْهُور في اسم الإشَارَة وهذا من غرائب العربية فإن
المعروف في الاشتغال اشتغاله بالضَّمير وكونه باسم الإشَارَة لم يذكره النحاة انتهى. ولا يبعد
أن يقال إن الْمُصَنّف أشار بقوله فإن اسم الإشَارَة بمنزلة الضَّمير إلَى أن الضَّمير في قول
النحاة مشتغل عنه بضميره عام له ولما هُوَ في منزلته من اسم الإشَارَة فعدم ذكر النحاة إياه إن
أريد به صريحًا فلا يضر، وإن أريد به مُطْلَقًا فغير مسلم فإشارات النحاة لا تكاد أن تحصى.
قوله: (وفَائدَة ذلك التكرير) التكرير بالنسبة إلَى تقدير فليعتنوا إما للمُبَالَغَة كان
الاعتناء والفرح شيء لفرط الاتصال بَيْنَهُمَا أو لانفهام الفرح لكون الاعتناء لازمًا له فكأنه
مذكور أو لانفهام الاعتناء فكأنه مذكور.
قوله: (والبيان بعد الإجمال) أي بيان التقرير لقطع احتمال غيره بعد الإجمال
والإبهام حيث يتعلق الأول فحصل الإبهام لاحتمال غيره فأُزيل بذلك.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وفَائدَة ذلك التكرير. أي وعلى تقدير أن يكون متعلق الباء (فليفرحوا)
يكون التقدير بفضل الله وبرحمته فليفرحوا وهذا تكرير للأول لفظًا ومعنى فَائدَة التوكيد والبيان بعد
الإجمال معنى التوكيد ظاهر، وأما معنى البيان بعد الإجمال فإن الْفعْل المقدر الذي يتعلق به الباء
في بفضل الله وبرحمته يحتمل أن يكون مقدرًا قبل الجار والمجرور وبعده فهو مجمل، ثم إذا قيل
في تفسيره فبذلك فليفرحوا بتقديم الجار وتأخير الْفعْل علم وبين أن الْفعْل في المفسر مقدر بعد
الجار وهذا هُوَ معنى بيان المجمل وفيه ما فيه والظَّاهر أن الْفعْل الْمَحْذُوف مجمل لاحتمال أن
يكون ذلك (فليفرحوا) أو غيره مما يلائم المقام فقيل فبذلك فليفرحوا بيانًا له، وأما
قوله: وإيجاب اخْتصَاص الفضل والرحمة بالفرح فبيانه عَلَى ما قال شراح الكَشَّاف أن التقديم في
المرة الأولى يفيد الاخْتصَاص فلما تكرر أفاد إيجاب الاخْتصَاص. أقول: معنى إيجاب الاخْتصَاص
مُسْتَفَاد من الأمر الإيجابي وهو (فليفرحوا) لا من التكرير فإن التكرير لا يفيد
الإيجاب، وإنَّمَا يفيده الألفاظ الموضوعة للوجوب كلفظ الأمر ولفظ وجب ولفظ عَلَى وأمثالها
ومعنى الاخْتصَاص مُسْتَفَاد من تقديم الجار عَلَى عامله وقَالُوا إن ما في الآية اخْتصَاص الفرح
بالفصل والرحمة لا اخْتصَاص الفضل والرحمة بالفرح ثم تكلفوا في التفصي عنه والتزموا إلَى
جعله من باب القلب مرة وأخرى إلَى أن قَالُوا إذا اختص الفرح بهما فقد اختصا بالمرح مُبَالَغَة
وأنت تعلم أن كلا من هذين بعيد وتكلف، فالوجه عندي أن الباء إذا كانت صلة فعل الاخْتصَاص
قد يدخل عَلَى المقصور وقد يدخل عَلَى المقصور عليه وكلاهما شائع في الاسْتعْمَال وهَاهُنَا قد
دخلت عَلَى المقصور عليه فإن فضل الله ورحمته مقصوران عَلَى الفرح لا يتجاوزان إلَى الحزن
والفرح فهما مختصان بالفرح والسؤال إنما يرد عَلَى جعل الباء داخلة عَلَى المقصور كما في قوله
تَعَالَى: (يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ) فإن معناه يجعل رحمته مقصورة عَلَى مَنْ يَشَاءُ
لا العكس وكما في قول النحاة واختص المندوب [بـ (وا) فإن] الْمَعْنَى والمقصور عَلَى المندوب لا
يستعمل في غيره، ويجوز أن يكون الندبة بغيره من ألفاظ التفجع.