قوله: (كقوله) أي قول نمر بن تولب من شعراء العرب خاطب امرأته وكانت لامته إذ
نزل بهم ضيوف فعقر لهم أربع قلائص فقال لها لا تجزعي لما أتلفته من نفيس مالي(وإذا
هلكت فعند ذلك فاجزعي)أي لا يَنْبَغي لك أن تجزعي لما أتلفته من خيار مالي لا سيما
[لأضيافي فإني] ما دمت حيًّا كسبت لك أمثاله بل أضعافه بل يَنْبَغي لك الجزع والفزع
لموتي إذا مت فإنه لا بد منه وإن لم يكن معلومًا وقوعه قبل موتك فإنك لا تجدي مثلي
في توسيع الرزق وحسن المعاشرة وخلق الإلفة واللطف في المباضعة. والاستشهاد بكون
الفاء زائدة في أحد الموضعين، وإذا وجد زيادة الفاء في كلام فصحاء العرب ساغ لنا أن
يحكم بذلك في النظم الجليل.
قوله: (وعن يَعْقُوب «فلتفرحوا» بالتاء عَلَى الأصل المرفوض) أي أن أصل أمر الحاصر
باللام والتاء فحذفت اللام مع تاء الْمُضَارِعة واجتلبت همزة الوعل فإذا أتى باللام والتاء
فقد استعمل عَلَى الأصل المرفوض أي المتروك فلا يضر الفصاحة فإن خالف الْقيَاس؛ إذ
الْقيَاس كونه بلا تاء ولا لام ولذا قال الْمُصَنّف عَلَى الأصل المرفوض وترك ذكر الْقيَاس
مخالفًا للزمخشري حيث قال وَقُرئَ «فلتفرحوا» بالتاء وهو الأصل والْقيَاس انتهى. ولا يعرف
وجهه عَلَى أنه يلزم كون اسْتعْمَال الأمر الحاضر بدون التاء واللام عَلَى خلاف الأصل
والْقيَاس، ولا يخفى بعده وقال ابن جني وقراءة «فلتفرحوا» خرجت عَلَى أصلها وذلك أن
أصل أمر الخطاب باللام كما قررناه والذي حسنه هنا أن النفس يقبل الفرح فذهب به إلَى
قوة الخطاب فلا يقال «فلتفرحوا» إلا إذا أريد إرغامهم وتحقيرهم، ومنه أخذ العلامة ما ذكره
وهذا من دقائق الْمَعَاني التي يَنْبَغي أن يتنبه لها انتهى. ملخصًا حتى قَالُوا وبهذا الاعتبار
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: عَلَى الأصل المرفوض. فإن أصل اضرب لتضرب فاختصر منه لكثرة اسْتعْمَال أمر
الحاصر وفيما نحن فيه عَلَى القراءة بالتاء كان الأصل أن يقال فبذلك افرحوا لكن قرئ «فلتفرحوا»
مكان افرحوا عَلَى الأمر، ولما كان أمر الغائب قليل الاستعمال بالنسبة إلَى أمر المخاطب لم
تحذف اللام والياء، ومن ذلك قوله عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ في بعض الغزوات"لتأخذوا مضاجعكم"
بمعنى خذوا. وقال ابن جني قراءة «فلتفرحوا» بالتاء خرجت عَلَى أصلها وذلك أن أصل الأمر أن
يكون بحرفه وهو اللام فأصل اضرب لتضرب كما هُوَ للغائب لكن لما كثر الحاضر حذفوه كما
حذفوا حرف الْمُضَارِعة تخفيفًا، وإنَّمَا ألحقوا في الأكثر الهمزة لئلا يقع الابتداء بالساكن ولم يحذفوا
من أمر الغائب لأنه لم يكثر كثرته ولهذا لم يؤمر الغائب بنحو صه ومه وحيهل. والذي حسن التاء
هَاهُنَا عَلَى الأصل أنه أمر للحاضرين بالفرح لأن النفس تقبل الفرح، فذهب به إلَى قوة الخطاب
فاعرفه ولا تقل قياسًا عَلَى ذلك فلتحزنوا لأن الحزن لا تقبله النفس قبول الفرح إلا أن صغارهم
وإغرامهم وهذا معنى ما قال صاحب الكَشَّاف في الحاشية: إنما آثر رسول اللَّه عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
القراءة بالأصل لأنه أدل عَلَى الأمر بالفرح وأشد تصريحًا إيذانًا بأن الفرح بفضل الله تَعَالَى وبرحمته
بليغ التوصية له ليطابق التكرير والتقرير وتضمين الْكَلَام معنى الشرط لذلك ثم قال ونظيره مما
انقلب فيه ما ليس بفصيح فصيحًا (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) من تقديم الظَّرْف
اللغو ليكون الغرض اخْتصَاص التوحيد.