قوله: (ومعنى الهمزة فيها تقرير لافترائهم عَلَى الله) والاحتمال الْمَذْكُور في أم أمران
راجحهما كونها متصلة عاطفة. أشار إليه بقوله ويجوز أن تكون المنفصلة متصلة بـ أرأيتم ولقد
أجاد حيث جمع المنفصلة والمتصلة وهو من صنعة الطباق، وأراد بالمنفصلة لفظة أم لأنها كـ أو
لأحد الأمرين وأراد بالمتصلة بـ أرأيتم مَفْعُوله الثاني عَلَى الترديد. فقوله ويجوز أن تكون
المنفصلة أي الْجُمْلَة والقضية المنفصلة وهي مجموع قوله:(آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ
تَفْتَرُونَ)فسماها منفصلة إما عَلَى اصْطلَاح أهل الميزان أو بالْمَعْنَى اللغوي
لانفصالها عن أرأيتم وتوسط قل، وإنما عبر به لمطابقة قوله متصلة وعلى هذا فما موصولة
واتصال الجمل بـ أرأيتم لأنها مَفْعُول ثان له انتهى. وفيه ضعف لا يخفى. أما أولًا فلأن اسْتعْمَال
اصْطلَاح أهل الميزان في كلام الْمُصَنّف فضلًا عن كلامه تَعَالَى غير مُتَعَارَف بل غير مرضي
فالْكَلَام جملتان متعاطفتان يشتمل كلًا منهما الحكم وعلى اصْطلَاح أهل الميزان فلا حكم في
الطرفين بل الحكم بَيْنَهُمَا والوجدان يكذبه، وأما ثانيًا فلأن الحكم في المنفصلة بالمنافاة فيكون
الْمَعْنَى حِينَئِذٍ أخبروني هل المنافاة متحققة بين هذين الأمرين أم لا، ولا يخفى فساده، وأما ثالثا
فلأن (قل) تكرير للتأكيد وما يكون تكريرا للتأكيد لا يطلق عليه الفصل بالْمَعْنَى
اللغوي ولو سلم، فلا وجه لقوله: ويجوز أن تكون المنفصلة متصلة؛ إذ الانفصال والاتصال
كلاهما بالنظر إلَى أرأيتم عَلَى ما يفهم من بيانه وهو كالجمع بين المتنافيين.
قوله: (وأن يكون الاسْتفْهَام للإنكار) أي إنكار الإذن في التحريم والتحليل أي إنكار
وقوعه، ويجوز أن يكون أم منقطعة. قال السيد الشريف في حاشية المطول: إذا لم تشترك
الجملتان في شيء من الجزأين نحو أقام زيد أم قعد عمرو. وأضرب زيد عمرًا أم قتله خالد.
لأن الاشتراك في الْمَفْعُول الذي هُوَ فضلة فالمتأخّرون جزموا بكونها منفصلة لا غير. وجوز
الشيخ ابن الحاجب والأندلسي كونها متصلة. والْمَعْنَى أي الأمرين كان انتهى. مختصرا فعلم
منه أن كون أم هنا منقطعة أولى لعدم اشتراك الجملتين في شيء من الجزأين، وجواز كونها
متصلة بناء عَلَى ما اختاره الشيخ ابن الحاجب والأندلسي وقد رجحه الْمُصَنّف حيث قدمه
على ما هُوَ عادته. وحاصل الْمَعْنَى عَلَى تقدير كون أم متصلة أخبروني أي الأمرين كان. وهذا
على قاعدة العربية والمعلوم بديهة أن الأمر الأول منتف والافتراء عَلَى اللَّه ثابت مقرر ففي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
متصلة، وأما إذا كان (آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ) متعلقًا بـ (قل) جاز أن يكون أم متصلة وهو ظَاهر وأن تكون منقطعة
والهمزة في (آللَّهُ) للإنكار لا للاستخبار أنكر عليهم أن يكون تبعيضهم الرزق بإذن الله، ثم أضرب عنه
وقرر افتراؤهم، فالْمَعْنَى بل أتفترون عَلَى الله، وهذا الوجه هُوَ معنى قوله: ويجوز أن يكون الاسْتفْهَام
للإنكار وأم منقطعة إلَى آخره، فعلى هذا الوجه يكون (آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ) متعلقا بـ (قل) عَلَى أنه مَفْعُوله لا
بـ أرأيتم فبقي عَلَى الوجه الأول وهو أن يكون (آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ) متصلة بـ أرأيتم اعتراض وهو أن الهمزة
وأم المتصلة سؤال عن تعيين أحد الأمرين ومن المعلوم انتفاء الإذن من الله وثبوت الافتراء منهم
فَكَيْفَ يسأل ويستخبر عن تعيين أحدهما. والْجَوَاب أن هذا السؤال ليس لطلب العلم بل للوعيد
وطلب الإقرار منهم عَلَى الافتراء والتزام الحجة عليهم.