إن كلمت زيدًا. فالعلماء اختلفوا فيه. قال بعضهم: الْجَوَاب للأخير والشرط الأخير وجوابه
جواب الأول كالصورة التي أوردت مع الفاء وعلى هذا لم تطلق حتى يوجد التكليم أولًا ثم
الدخول ثانيًا، ولو كان بالعكس لم تطلق، كَمَا صَرَّحَ به المص. وقال بعضهم: إذا اجتمعا تطلق
من غير ترتيب واختار المص الْقَوْل الأول ولم يفرق بين التوالي بالعطف وبينه بلا عاطف .
قوله: (وهو جواب لما أوهموا من أن جداله كلام بلا طائل) الإيهام مأخوذ من
قولهم: (أكثرت جدالنا) فإن الجدال قد يستعمل في كلام مع طائل كما أشير
إليه في قَوْله تَعَالَى: (وجادلهم بالتي هي أحسن) فعبر بالإيهام لذلك ولم
يعتبر بالتصريح وجه الإيهام هُوَ تعرضهم بالإكثار بالنظر إلَى حال قائله .
قوله: (وهو دليل عَلَى أن إرادة الله تَعَالَى يصح تعليقها بالإغواء) لاستناد جميع
الممكنات بأسرها إليه تَعَالَى واقعة بقدرته، وقد برهن عليه في علم الْكَلَام، ومن جملة
البرهان ما ذكر في هذا المقام قوله بالإغواء لقوله (أن يغويكم) فهو مستلزم للغواية فكأنه قيل
وهو دليل عَلَى أن إرادة الله تَعَالَى يصح تعلقها بالغواية والضلالة التي قامت بالضال
والمضل وإلى هذا أشار بقوله: وأن خلاف مراده محال. فيه رد عَلَى الزَّمَخْشَريّ حيث قال: إذا
عرف الله من الكافر الإصرار فخلاه وشأنه ولم يلجئه سمي ذلك إضلالًا وإغواء انتهى. وقد
مر التَّفْصيل في تفسير قَوْلُه تَعَالَى: (خَتَمَ اللَّهُ) الآية. لكنه قيل عليه إن الشرطية
لا تدل عَلَى وقوع الشرط ولا جوازه فلا يتم الاستدلال به، ولا يحتاج إلَى التأويل الآتي.
ودفع بأن المقام ينبو عنه لعدم الفَائدَة في مجرد فرض ذلك فإن أرادوا إرجاعه إلَى قياس
استثنائي فإما أن يستثني عين المقدم فهو المطلوب ؛ إذ نقيض التالي [خلاف] الواقع لعدم
حصول النفع انتهى. أي كلمة إن تستعمل في المحقق كما تستعمل في المفروض وهنا
مستعملة في المحقق بقرينة قوله: (إن أردت أن أنصح لكم) فإنها محققة
جزمًا فكذا شرطها متحقق قطعًا .
قوله: (وأن خلاف مراده محال) أي محال بالغير لا بالذات ؛ إذ منشأ الاستحالة تحقق
تعلق إرادته تَعَالَى عَلَى الْمُرَاد ومثل هذا الامتناع لا ينافي التكليف به وخلاف مراده تَعَالَى
هنا كونهم مهتدين ينفع النصح لهم فيكون مراده تَعَالَى غيهم وضلالتهم فيتضح ما ذكرناه
من أن الْمُرَاد إرادهّ غوايتهم بطَريق الالتزام واللزوم .
قوله: (وقيل أن يغويكم أن يهلكلكم) هذا من تأويلات المعتزلة وقد سبق نقل تأويل
الزَّمَخْشَريّ تصحيحًا لمذهبهم وجوابًا عن مخالفة الآية لمسلكهم. والكل خلاف الظَّاهر .
قوله: (من غوى الفصيل غوى) استشهاد عَلَى مجيء الإغواء بمعنى الإهلاك والغوى
بمعنى الهلاك وغوى بكسر الغين وفتح الواو مع القصر كرضي رضى كما في القاموس .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وهو دليل عَلَى أن إرادة الله تَعَالَى يصح تعليقها بالإغواء وأن خلاف مراده محال فالآية
حجة عَلَى المعتزلة في هاتين المسألتين .