قوله: (أنموذج مما أعد الله للمجرمين في الْآخرَة) أي شيء حقير أي بالنسبة إلَى ما
أعد الله لهم فحِينَئِذٍ معنى الاعتبار معرفة عظم عذاب الْآخرَة بما شاهده من عظيم ما حاق
بهم مع أنه قليل من كثير وحقير في جنب كبير وهذا الْمَعْنَى لا يرى له كثير الجدوى؛ إذ
بدون ملاحظة الانزجار لا يظهر له نكتة أخرى، فالأولى الاعتناء بما ذكره بعده من قوله أو
ينزجر الخ. كما اكتفى به في الكَشَّاف؛ إذ الْمُرَاد بالاعتبار هُوَ الانزجار والاستبصار عن
موجباتها أي عن أسبابها.
قوله: (أو ينزجر به عن موجباتها) عطف عَلَى يعتبر وضمير به راجع إلَى ذلك
وضمير موجباتها راجع إلَى الوقائع وفي بعض النسخ من موجباته أي عن موجبات ذلك
الذي نزل بالأمم الهالكة.
قوله: (لعلمه بأنها من إله مختار بعذب من يشاء ويرحم من يشاء) يعذب مَنْ يَشَاءُ
من المذنبين ويرحم من يشاء أي منهم ومن المطيعين وسبب هذا العلم والتصديق يخاف
كونه من الذين يعذبون باقتراف المعاصي فينزجر عنها حتى يكون من زمرة المرحومين.
قوله: (فإن من أنكر الْآخرَة) تعليل لذكر قوله: (لمن خاف عذاب الْآخرَة)
بالنظر إلَى كونه احترازًا بعد تعليل كونه مفيدًا لمن حاله كَذَلكَ.
قوله: (وأحال فناء هذا العالم لم يقل بالْفَاعل الْمُخْتَار) أي وجعل محالًا فناء العالم
لاعتقاد أنه قديم وأنه تَعَالَى موجب بالذات وما ثبت قدمه امتنع عدمه. وبعضهم حمل قسم
من خاف عَلَى الدهري المنكر للصانع، ولا يخفى ضعفه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أو ينزجر به. عطف عَلَى يعتبر به إن في ذلك العذاب الذي هُوَ الأخذ بسَبَب الظلم لآية
لمن ينزجر به عن موجباته وهي الظلم والذنوب فإن من علم أن الله يعذب المذنب في الْآخرَة أو في
الدُّنْيَا أو فيهما يزجره العلم لذلك عن الإقدام عَلَى الذنب ومن لخحاد هذا العلم أن يزجر الكل لكن
خص بمن خاف عذاب الْآخرَة لكون نفعه له فعلى الثاني يكون ذكر خاف من باب ذكر الملزوم
وإرادة اللازم عَلَى الْمَجَاز بخلاف الوجه الأول فإن خاف عَلَى ذلك الوجه من قبيل ذكر اللازم وإرادة
الملزوم عَلَى سبيل الكناية، وأمَّا تفسير خاف الدال عَلَى المضي بالمستقبل حيث قيل في تفسيره في
الوَجْهَيْن يعتبر وينزجر إما لأن المقام مقام الاسْتمْرَار التجددي الدال عليه صيغة المستقبل والتَّعْبير
بلفظ المضي للإشعار بأن شأن العبد أن يكون الخوف ثابتًا محققًا في قلبه كالأمور الْمَاضية الكائنة
وأما لأن ما وقع في حيز من الموصول أو في حيز الذي يكون بمعنى المستقبل.
قوله: وأحال فناء العالم. أي ومن أنكر الْآخرَة ورأى أن فناء العالم محال لم يقل بالْفَاعل
الْمُخْتَار بل يقول بالمبدأ الموجب بالذات ويقول يصدر عنه الآثار عَلَى وجه الإيجاب لا عَلَى طريق
الاختيار فلزمه أن يعتقد بأن تلك المواقع التي وقعت عَلَى المهلكين إنما هي عَلَى سبيل الاتفاق لا
بسَبَب ذنوبهم التي اقترفوها ويعتقد بأن الهلاك يلحق بهم وإن لم يذنبوا، وهذا محض خطأ لأن
الْقُرْآن ناطق بأن الهلاك إنما يلحق بهم بذنوبهم. فالْقَوْل بالاتفاق كفر، والقائل به منكر للقرآن جاحد
بالنبوة خذله الله وخذل من رأى رأيه وسلك طريقته.