قوله: (وفيه نظر لأنه تشبيه بما لا يعرف أكثر الخلق وجوده ودوامه) قيل يريد أن في
الْكَلَام تشبيهًا ضمنيًا لدوامهم بدوامهما وإن كان بحسب الإعراب ظرفًا لـ خالدين ولا بد أن
يكون المشبه به أعرف ليفيد التشبيه وهنا ليس كَذَلكَ انتهى، وأنت خبير بأن التشبيه قد يكون
لمجرد الاشتراك وإن لم يكن المشبه به أعرف وأقوى فالمقصود هنا إفادة أن عذاب الْكُفَّار
أبدي وأن سماوات الْآخرَة وأرضها باقيتان وليس لهما فناء كسماء الدُّنْيَا وأرضها. وفي كلام
القائل وهو صاحب الكَشَّاف إشَارَة إلَى ما قلنا حيث قال وهي دائمة مخلوقة للأبد انتهى.
ولقوة هذا الوجه لما في الوجه الآخر من التَّكَلُّف قدم هذا الوجه القائل الْمَذْكُور تنبيهًا عَلَى
[المزبور] المسطور ثم للشيخ الزمخشري منع تحقق التشبيه من مثل هذا المبنى مثل قَوْلُه تَعَالَى:
(وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا) وقَوْلُه تَعَالَى:(قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ
نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا)الآية. وله نظائر كثيرة والتزام التشبيه في أمثال ذلك
خارج عن الإنصاف بل عين الاعتساف بل الْمُرَاد بمثل هذا اللَّفْظ مجرد الظرفية والارتباط ولو
سلم تحقق التشبيه لا نسلم إرادة التشبيه لعدم ذكر آلته صريحًا ولو سلم إرادة التشبيه فلا نسلم
لزوم أعرفية المشبه به في التشبيه الضمني وإن تم ذلك في التشبيه الصريحي وصاحب
الكَشَّاف إمام في هذا الشأن ومقتدى في فن الْمَعَاني والبيان فاللائق أن يدعي انفهام هذه
القاعدة من كلامه هنا في بيان تلك النكتة، أَلَا [تَرَى] أن كثيرًا من المحققين استنبطوا القاعدة من
إشاراته وتلويحاته وللمحشيين كلام طويل هنا قليل الجدوى وطيه أحْرى .
قوله: (ومن عرفه فإنما يعرفه بما يدل عَلَى دوام الثواب والعقاب) أي بالوحي
السماوي وكلامه الأنبياء لا بخصوص الدليل الدال عَلَى دوام الثواب والعقاب فإن قوله
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وفيه نظر. أي وفي الْقَوْل بأن الْمُرَاد بهما سماوات الْآخرَة وأرضها نظر لأنه تشبيه بما لا
يعرف أكثر الخلق وجوده ودوامه يعني يجب أن يكون المشبه به في التشبيه أي تشبيه كان أعرف
وأشهر في وجه الشبه وهو الدوام هَاهُنَا فإن الْمُرَاد في الآية تشبيه دوام أهل النَّار في النَّار ودوام أهل
الجنة في الجنة بدوام السَّمَاوَات والْأَرْض فإذا أريد بالسَّمَاوَات والْأَرْض السَّمَاوَات الْآخرَة وأرضها
يكون تشبيه دوامهم بدوامهما تشبيهًا له بشيء مجهول الحال والتشبيه إنما يصار إليه لتعريف حال
المشبه من حال المشبه به وذلك لا يكون إلا أن يكون حال المشبه به معروفًا مَشْهُورًا عند
المخاطبين حتى يحصل لهم معرفة حال المشبه ومعنى التَّشبيه مُسْتَفَاد من جعل دوامهم في النَّار
وفي الجنة مقيسا عَلَى دوامهما فكأنه في دائمين فيها دوامًا مثل دوام السَّمَاوَات والْأَرْض .
قوله: ومن عرفه فإنما يعرفه بما يدل عَلَى دوام الثواب والعقاب الضَّمير في ومن عرفه إلَى
ما في بما لا يعرف أكثر الخلق وجوده أو إلَى دوام سماوات الْآخرَة وأرضها يعني ومن عرف دوام
سماوات الْآخرَة وأرضها فإنما عرفه بما يدل عَلَى دوام الثواب والعقاب من النصوص فيستدل بدوام
الثواب والعقاب فيهما عَلَى دوامهما لدلالة دوام الشيء عَلَى دوام ما هُوَ فيه بطَريق الاستلزام
والتشبيه يقتضي أن يعرف دوام سماوات الْآخرَة وأرضها أولًا حتى يعرف به دوام الثواب والعقاب
فيهما فيلزم توقف الشيء عَلَى ما يتوقف عليه وهذا عين الدور، ولذا قال فلا يجدي له التشبيه لكونه
تشبيهًا للشيء بشيء مجهول الحال .