المستقبل بعد دخول الفريقين في المنزلتين فأَشَارَ إلَى الْجَوَاب بأن الاستثناء يصح أن يكون
من الابتداء والانتهاء فإنك إذا مكثت يوم الجمعة في الجامع إلا ساعة واحدة جاز أن يكون
ذلك الزمان الواقع فيه عدم المكث في أوله إلَى آخره. وأورد عليه أن الاستثناء يقتضي
إخراجًا عن حكم الخلود وهو لا محالة بعد الدخول فَكَيْفَ ينتقض عن حكم الخلود من
مبدأ معين يكون بالإخراج عن حكم الدخول الذي يتضمنه الخلود فيها لا محالة، ولا يخفى
ضعفه؛ إذ المعترض اعتبر الخلود بعد دخول أهل الجنة الجنة فحِينَئِذٍ لا كلام في متانة
الاعتراض. والمجيب اعتبر حكم خلود أهل الجنة بعد دخول حكم أهل النَّار في النَّار ادعاء
أن تعيين زمان خلود أهل الجنة من زمان دخول النَّار في النار، ولا ريب في ضعفه؛ إذ هذا
لبى أولى من عكسه.
قوله: (وهَؤُلَاء وإن شقوا بعصيانهم فقد سعدوا بإيمانهم، ولا يقال فعلى هذا لم يكن
قوله: (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) تقسيمًا صحيحًا) فيه تنبيه عَلَى أن الْمُرَاد
بالشقاوة والسعادة الدنيويتان لكن لا يمنع كون الْمُرَاد السعادة والشقاوة الأخرويتين لكن
المُتَعَارَف المتداول كون الْمُرَاد بالشقاوة الكفر وبالسعادة الإيمان كقوله عَلَيْهِ السَّلَامُ:
"السعيد من كان سعيدًا في بطن أمه"الْحَديث وقوله:"السعيد قد يشقى والشقي قد يسعد"
والْمُرَاد بهما الكفر والإيمان فما المانع أن يقال إن المكلف ينقسم إلَى قسمين شقي كافر
وسعيد مؤمن مطيع ولم يتعرض لعصاة الموحدين، وقد صرح به أبو حيان في قَوْله تَعَالَى:
(فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ) الآية. والاستثناء حِينَئِذٍ يوجه بالْوُجُوه الباقية بل
الوجه الأخير هُوَ النُّكْتَة العالية.
قوله:(لأن من شرطه أن تكون صفة كل قسم منتفية عن قسيمه لأن ذلك الشرط من حيث
التقسيم لانفصال حقيقي أو مانع من الجمع)علة للنفي وقوله لأن ذلك علة لقوله لا يقال.
قوله: (وهَاهُنَا الْمُرَاد أن أهل الموقف لا يخرجون عن القسمين) أي التقسيم لمنع
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: لأن ذلك الشرط علة لقوله لا يقال يعني ذلك الشرط الذي هُوَ أن يكون صفة كل قسم
منتفية عن قسيمه إنما هُوَ في الانفصال الحقيقي كقوله هذا العدد إما زوج أو فرد أو في الانفصال
المانع للجمع دوذ الخلو نحو هذا الشيء إما حجر أو شجر فإن بين الزوج والفرد انفصالا بحيث
لا يجتمعان في عدد واحد ولا يرتفعان عنه وبين الحجر والشجر انفصال مانع من الجمع بَيْنَهُمَا
وليس بمانع عن خلوهما لجواز أن يكون شيء لا حجرًا ولا شجرًا مقابل حيوانًا فالتقسيم الصحيح
إنما يكون في هذين الانفصالين والتقسيم في الآية من باب الانفصال عَلَى وجه منع الخلو فصح
الجمع بين عيني القسيمين بأن يكون القسمان كلاهما سعيدين أو شقيين نظرًا إلَى الاستثناء كما في
قول القائل: زيد إما أن يكون في البحر وإما أن لا يغرق. فإنه يصح أن يكون زيد في البحر ولا يغرق
لا تنافي بَيْنَهُمَا والتنافي إنما هُوَ في سلبهما؛ إذ لا يجوز أن يكون في البر ويغرق للتنافي بين كون
زيد في البر وغرقه فالتقسيم في الآية إنما هُوَ بالنظر إلَى منع الخلو فإنه يمتنع أن يوجد شخص
ترتفع عنه الصفتان السعادة والشقاوة.