قوله: (والْمُسْتَثْنَى زمان توقفهم في الموقف للحساب) هذا حاصل الْمَعْنَى؛ إذ أصله وهم
يدخلون النَّار إلا ما شاء ربك إلا مدة مشيئة ربك عدم دخولهم وتلك المدة زمان توقفهم في
الموقف، ولا يخفى عليك أن الدخول آني غير مستمر ولا دوام له فلا يحسن معنى يدخلون
جميع الأوقات إلا وقت مشيئة الله تَعَالَى، ولعل لهذا أخَّره وتركه أولى من تأخير ولو قيل إن
الحاصل ليس ما ذكر بل الحاصل (وأما الَّذينَ شقوا ففي النَّار) في كل زمان
بعد إتيان ذلك اليوم إلا زمان ما شاء الله تَعَالَى لرجع هذا إلَى اعتبار الخلود دون الدخول
والْكَلَام في هذا للحساب وللسؤال وإعطاء الْكتَاب.
قوله: (لأن ظاهره يقتضي أن يكُونُوا في النَّار) فإن إتيان اليوم للجزاء بالثواب
والعقاب وذلك يقتضي دخول الفريقين في الدارين بلا توقف لنحو الحساب وزمان التوقف
مُسْتَثْنَى من الأزمنة المستحقة الدخول وأورد عليه أن عصاة الْمُؤْمنينَ الداخلين النَّار إما
سعداء فيلزم أن يخلدوا في الجنة فيما سوى الزمان الْمُسْتَثْنَى وليس كَذَلكَ، أو أشقياء فيلزم
أن يخلدوا في النَّار وهو خلاف مذهب أهل السنة، وأَيْضًا تأخيره عن الحال عَلَى هذا لا
يتضح؛ إذ لا تعلق للاستثناء به وقد يدفع بأن القائل بهذا يخص الأشقياء بالْكُفَّار والسعداء
بالأتقياء وتكون العصاة مسكوتًا عنهم أَيْضًا فلا يرد عليه شيء إن كان من أهل السنة، وإن
كان من المعتزلة فقد وافق مذهبه انتهى. وتَخْصيص الأشقياء بالْكُفَّار والسعداء بالأبرار أمر
ينحل به كثير من الإشكال كما مَرَّ تفصيل الْكَلَام والمقال.
قوله: (حين يأتي اليوم) كأنه أَشَارَ إلَى رجحان كون الضَّمير في (يوم يأت) راجعًا إلَى
اليوم عَلَى هذا الوجه وإذا رجع إلَى الْجَزَاء كما هُوَ الْمُخْتَار عنده أو إليه تَعَالَى فهذا
الاقتضاء ليس بظَاهر ويمكن التوجيه بأدنى عناية.
قوله: (أو مدة لبثهم في الدُّنْيَا والبرزخ إن كان الحكم مُطْلَقًا غير مقيد باليوم) عطف
على زمان توقفهم أي الْمُسْتَثْنَى المفرغ من أعم الأوقات هذه المدة إن كان الحكم أي حكم
الخلود مُطْلَقًا أي غير مقيد باليوم أي بيوم الْجَزَاء بيوم فإنه متعلق بـ (لا تكلم) كما هُوَ الْمُخْتَار
والحكم الْمَذْكُور متفرع عليه فيتفيد له معنى وعلى هذا يكون اليوم متعلقًا بـ اذكر أو بالانتهاء
الْمَحْذُوف فيمكن أن يعتبر الحكم الْمَذْكُور غير مقيد بيوم الْجَزَاء؛ إذ لا داعي له كما في
التعلق للأول. والْمَعْنَى حِينَئِذٍ هم في النَّار جميع أوقات وجودهم لاستحقاقهم ذلك الأزمان
[مشيئته] تَعَالَى وهو زمان لبثهم في الدُّنْيَا والقبور. والأولى مع زمان الموقف للحساب لأنهم
ليسوا في النَّار في وقت الموقف، إلا أن يقال إنه اكتفى بذكره أولًا وأورد عليه ما أورد عَلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: إن كان الحكم مُطْلَقًا غير مقيد باليوم هذا الاشتراط عَلَى أن يكون الْمُسْتَثْنَى مدة لبثهم
في الدُّنْيَا أو في البرزخ فإن الحكم بالخلود إن كان مقيدا بيَوْم الْقيَامَة لا يصح استثناء لبثهم في
الدُّنْيَا أو في البررخ من ذلك الحكم المقيد باليوم لعدم دخول الْمُسْتَثْنَى في الْمُسْتَثْنَى منه حِينَئِذٍ
لكون الْمُسْتَثْنَى منه غير متناول للمُسْتَثْنَى فلا يصح حِينَئِذٍ الأشياء لأن من شرط الاستثناء دخول
المستثنى في المستثنى منه.