قوله: (من تبليغ الوحي) أي الموحى وهذا مختص به عَلَيْهِ السَّلَامُ إلا أن يراد التعميم
إلى النازلين منزلة من العلماء الربانيين.
قوله: (وبيان الشرائع) عطف تفسير له.
قوله: (كما أنزل والقيام بوظائف العبادات من غير تفريط وإفراط) كما أنزل أي عَلَى
نهج ما أنزل والقيام بوظائف العبادات وترك المنكرات داخل في العبادات لكونه عبارة عن
كف النفس عن المنهيات من غير تفريط أي تقصير وإفراط أي الزّيَادَة المذمومة.
قوله: (مفوت للحقوق ونحوها) صفة لهما عَلَى سبيل البدل، والْمُرَاد بالحقوق حقوق
نفسه أخروية كانت أو دنيوية وتقويت التفريط الحقوق الْأُخْرَويَّة ظاهر، وأما الحقوق الدنيوية
فغير واضح، وأما الإفراط فتقويته الحقوق الدنيوية فظاهر، وأما الحقوق الْأُخْرَويَّة فلأنه يؤدي
إلى الملال والإخلال فعلم منه أنه لو جعل مفوت صفة للإفراط كما هُوَ الملائم للإفراد
لكان له وجه. وقول الفاضل المحشي مفوت للحقوق أي حقوق نفسه وعياله وغيرها يلائم
كونه صفة للإفراط وإرادة الحقوق الدنيوية ثم لا يعرف وجه عدم تعرض الخلق مع أنه
تعرض له في سورة النحل حيث قال وخلقا كالجود المتوسط بين البخل والتبذير انتهى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
النهي عن القليل من الشيء أبلغ من النهي عن الكثير فيه. وهذا هُوَ الْمُرَاد بقوله ولعل الآية أبلغ ما
يتصور إلَى آخره. حكي عن الموفق صلى خلف الإمام فقرأ هذه الآية فغشي عليه فلما أفاق قيل له
فقال: هذا فيمن ركن إلَى من ظلم فَكَيْفَ بالظالم. وعن الحسن جعل الله الدين بين [لاءَين] (ولا تطغوا)
(ولا تركنوا) . ولما خالط الزهري السلاطين كتب إليه أخ له في الدين: عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن
فقد أصبحت بحال يَنْبَغي لمن [عرفك] أن يدعو لك اللَّه ويرحمك: أصجت شيخًا كبيرًا وقد أثقلتك
نعم الله بما فهمك من كتابه وعلمك من سنة نبيه، وليس كَذَلكَ أخذ الله الميثاق عَلَى العلماء، قال الله
سبحانه (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) [واعلم أن] أيسر ما ارتكب وأخف ما
احتملت: أنك آنست وحشة الظالم، وسهلت سبيل الغى بدنوّك ممن لم يؤدّ حقًا ولم يترك باطلا، حين
أدناك اتخذوك قطبًا تدور عليك رحى باطلهم، وجسرًا يعبرون عليك إلى بلائهم وسلمًا يصعدون
فيك إلى ضلالهم، يدخلون الشكّ بك على العلماء، [ويقتادون] بك قلوب الجهلاء، فما أيسر ما
عمروا لك في جنب ما خرّبوا عليك، وما أكثر ما أخذوا منك في جنب ما أفسدوا عليك من دينك، فما
يؤمنك أن تكون ممن قال الله فيهم(فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ
فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا)فإنك تعامل من لا يجهل، ويحفظ عليك من لا يغفل، [فداو دِينك]
فقد دخله سقم، وهيئ زادك فقد حضر السفر البعيد.(وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا
فِي السَّمَاءِ).
قوله: من غير تفريط وإفراط. معنى التفريط مُسْتَفَاد من (ولا تركنوا) ومعنى
الإفراط من (ولا تطغوا) نهى أولًا عن الطغيان الذي هُوَ التجاوز عن الحد، ثم عن
التفريط وهو الميل القليل إلَى الظلمة. قوله: فإنه في قوله فإنه ظلم عَلَى نفسه تكرير لأن مع اسمه في
قوله: فإن الزوال عنها، فإن الظَّاهر أن يقال: فإن الزوال عنها بالميل إلَى أحد طرفي إفراط وتفريط ظلم
على نفسه أو غيره.