والشجاعة المتوسطة بين الجبن والتهور والْحكْمَة المتوسطة بين البلادة والجربزة، والْقَوْل بأن
الْأَعْمَال عامة لها لكونها شاملة للأعمال القلبية ضعيف. أما أولًا فلصرفها عن الظَّاهر
الْمُتَبَادَر أعني عمل الجوارح، وأما ثانيًا فلتناولها الاعتقاد لا يصح المقابلة أو لا يحسن .
قوله: (وهي في غاية [العسر] ) أي الاستقامة يعسر عَلَى كل أحد ولذلك قيل الدخول
في الْإسْلَام سهل في تَحْصيل المرام، وأما الثبات عَلَى الأحكام والْإسْلَام فصعب عَلَى جميع
الأنام إلا من أيد بالمشاهدة القوية والأنوار السنية والْقُوَّة القدسية وعن هذا قَالُوا يجب عَلَى
كل أحد معرفة الكفريات أقوى من معرفة الاعتقاديات فإن الثانية يكفي فيها الإيمان
الإجمالي بخلاف الأولى فإنه يتعين فيها العلم التَّفْصيلي. والحاصل أن الاستقامة في جميع
أبواب العُبُوديَّة اعتقادا أو عملًا أو إخلافًا في غاية الصعوبة لا سيما في الاعتقاديات ؛ إذ
ضبطها عن الخلل والذلل والثبات عَلَى مقتضاها وهو أن لا ينزل قدمه عن طريق السداد ولا
يتخطأ عن صوب الصواب إلَى الفساد أصعب من خرط القتاد .
قوله: (ولذلك قال عَلَيْهِ السَّلَامُ [ «شيبتني هود» ] ) لهذه الآية (فاستقم كما أمرت)
ولعله عَلَيْهِ السَّلَامُ قاله هضمًا لنفسه وتعليمًا لأمته وحثًا عَلَى إتعاب النفس في تَحْصيلها
بجميع أنواعها ثم المراقبة عَلَى حفظها مع طلب التوفيق والاستقامة من الله تَعَالَى في
مجامع أمورها .
قوله: (أي تاب من الشرك والكفر ومن آمن معك) أَشَارَ إلَى أن في الْكَلَام تضمينًا
ليست في التَّوْبَة بل في الإيمان ؛ إذ التَّوْبَة عن الكفر يستلزم الإيمان فيكون الْمَعْنَى ومن آمن
معك أي آمن مصاحبًا لك لا من آمن مع إيمانك فإنه يحتاج إلَى التَّكَلُّف. وسيجيء التَّفْصيل
من الفاضل المحشي في سورة يُوسُف في قَوْله تَعَالَى: (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ)
الآية .
قوله:(وهو عطف عَلَى المستكن في استقم وإن لم يؤكد بمنفصل لقيام الفاصل
مقامه)قال أبو البقاء: إنه منصوب عَلَى أنه مَفْعُول معه. وقال غيره إنه مرفوع مَعْطُوف عَلَى
المستكن كما اختاره الْمُصَنّف ؛ إذ لا تكلف فيه. والبعض من النحاة اختاروا في مثلها أنه
مرفوع بفعل مَحْذُوف يناسب الْمَذْكُور فهو لأنه [حِينَئِذٍ] قياس عَلَى طريق التشهي، ولذا يقولون في
مقام الرد هذا قياس مع وجود النص الصريح. وهذا ما أراده الْمُصَنّف هنا. ولا يستقم من
تاب لأن الأمر لا يرفع الظَّاهر فهو من عطف الجمل. وأُجيب عن ذلك المحذور بأنه يجوز
في التابع ما لا يجوز في المتبوع وهو تَغْليب لحكم الخطاب عَلَى الغيبة. وقيل من مبتدأ
مَحْذُوف الخبر أي فليستقم، ولا يخفى ضعفه .
قوله: (ولا تخرجوا عَمَّا حد لكم) تنبيه عَلَى الْمَفْعُول الْمَحْذُوف ومعنى ما حد ما بين
لكم من أوامر الله تَعَالَى ونواهيه .
قوله: (فهو مجازيكم عليه، وهو في معنى التعليل للأمر والنهي. وفي الآية دليل عَلَى