الموضعين عَلَى الفعلين انتهى. والْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إن التكرار للتنبيه عَلَى أن كل واحد منهما
مقصود مستقل بنفسه والانتفاع بكل واحد منهما بنوع يغاير الآخر، وأما ما ذكره القائل ففيه
ما لا يخفى عَلَى الناظرين .
قوله:(وهذه بشارة بشرهم بها بعد أن أول البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين
مخصبة والعجاف واليابسات بسنين مجدبة، وابتلاع العجاف السمان بأكل ما جمع في السنين
المخصبة في السنين المجدبة)وهذه بشارة الخ. أي قوله: (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ)
الآية. بشارة لا مدخل له في التأويل ؛ إذ ليس مستنبطًا من رؤيا الملك قوله:
بسنين مخصِبة بكسر الصاد اسم فاعل من أخصب والهمزة للصيرورة أي بسنين ذات خصب
وسعة وعجاف أي أول العجاف واليابسات بسنين مجدِبة بكسر الدال اسم فاعل من أجدب
أي صار ذا جدب وقحط وقلة والمناسبة بَيْنَهُمَا [ظَاهرة] وإن كان خصوص النسبة غير ظَاهر
لكن الْحكْمَة والنُّكْتَة في رؤيا الأمرين في المحلين أعني البقرات السمان والسنبلات الخضر
وأنهما عبارتان عن السنين المخصبة وهل واحد منها يكفي. وكذا الْكَلَام في البقرات
العجاف والسنبلات اليابسات والحال أن تأويلهما السنين المجدبة لكن هذا فرع الأول فلا
نرى أحدًا يحوم حوله ويروم حله، ولعله إشَارَة الْكَمَال في الموضعين في السعة والشدة
وابتلاع العجاف الخ. التَّعْبير بالابتلاع عن الأكل لما مَرَّ من أن الْمُرَاد الأكل دفعة واحدة ولم
يتعرض غلبة اليابسات عَلَى الخضر ولا بد منه .
قوله: (ولعله علم ذلك بالوحي) لا بلفظ الرؤيا فإنها تدل عَلَى سبع مخصبة وسبع
مجدبة ولا دلالة عَلَى العام التام وحاله فلما لم يكن من التَّعْبير نسبة إلَى الوحي .
قوله: (أو بأن انتهاء الجدب بالخصب أو بأن السنة الْإلَهيَّة عَلَى أن يوسع عَلَى عباده
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وهذه بشارة. أي هذه الآية وهي قوله:(ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ
وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)بشرهم يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَامُ بها .
قوله: ولعله علم ذلك بالوحي أي ولعل يُوسُف علم مجيء عام الخصب بعد السبع الشداد
بالوحي والمعلوم بالوحي هُوَ خصوصية مجيء السنة السابعة مخصبة خصابًا تاما واسعًا لا مطلق
مجيء سنة مخصبة بعد ذلك؛ إذ من المعلوم أن السنين المجدبة إذا انتهت كان انتهاؤها بالخصب
وإلا لم توصف بالانتهاء. وقد دل عَلَى الانتهاء عدد السبع الشداد فإنها لو لم تنته لما قيدت بالسبع
فيعلم منه أن الجدب منته في آخر السبع، ثم يأتي بعده عام الخصب علمًا مُطْلَقًا لكن ذلك العام
الذي يأتي بعد السبع الشداد مجهول الحال غير معلوم في أن الخصب فيه هل هُوَ تام أو غير تام.
فخصوصية العلم به لا يستفاد إلا بطريق الوحي فالْمُرَاد بالعلم في قوله: ولعله علم ذلك العلم
المطلق لا العلم الْمَخْصُوص وإلا لم يصح عطف قوله: أو بانتهاء الجدب بالخصب وعطف قوله أو
بأن السنة الْإلَهيَّة عَلَى الوحي لأن العلم الموحى من اللَّه تَعَالَى هُوَ خصوص العلم بتمام الخصب
في العام الثامن وليس ذلك مفصلًا إلَى الأمور الثلاثة الْمَذْكُورة اللهم إلا أن يقال عادة الله تَعَالَى
جرت عَلَى أن يوسع الرزق على عباده توسعة تامة بعد التضييق عليهم .