لأنه أول لقائه واشتعال ناره وأخذ ناره مع عدم المانع من ذلك فلدفع ذلك قال اليوم فبعده
بطَريق الأولى؛ إذ المسكوت عنه أولى بالحكم من المَنْطُوق فيدل النظم بدلالة النص عَلَى أن
المسكوت عنه وهو سائر الأيام أولى بانتفاء التثريب وإلى هذا أشار بقوله فما ظنكم الخ.
قوله: (أو بقوله(يغفر اللَّه لكم) قيل قال الشريف المرتضى في
[الدرر] : ضعف قوم هذا الْجَوَاب من جهة أن الدعاء لا ينصب ما قبله ولم أرَ من صرح به
غيره انتهى. بل بيانهم عَلَى الإطلاق يوهن هذا الْكَلَام؛ إذ الدعاء من قبيل الإنشاء ولا كلام
في سائر الإنشاء نصبه بما قبله والفرق تحكم ولو سلم ذلك فكون يغفر دعاه غير مسلم
حتى قيل إن في كلام الْمُصَنّف إشَارَة إلَى دفعه حيث يومئ إلَى أنه خبر [لا دعاء] ثم نقل تأييد
لذلك عن ابن المنير أنه صحيح تعلقه بـ تثريب أو بالمقدر عليكم فإنه إذا كان متعلقًا [بـ يغفر
لقطعوا بالْمَغْفرَة بإخبار الصديق ولم يكن كَذَلكَ لقولهم (يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا)
لكن أجيب بأن ستر الذنوب وعدم المؤاخذة إنما يكون في الْقيَامَة. والحاصل
قبله هُوَ الإعلام به وطلب ما يعلم حصوله غير ممتنع بل الممتنع طلب الحاصل انتهى. ولا
يخفى أن طلب ما يعلم حصوله كونه غير ممتنع إنما يكون إذا لم يكن ما يعلم حصوله
كالحاصل ذهنًا ذلك كالحاصل؛ إذ علم ذلك من جانب صاحب الوحي، ولعل لهذا سلم ذلك
وقال عَلَى أنه يجوز أن يكون هضمًا للنفس كما في استغفار للأنبياء عليهم السلام انتهى.
وأنت تعلم أن ما سيأتي من كلام المص هناك لا يلائم ما ذكره المجيب، فالأولى حمل يغفر
على الدعاء ومنع ما ادعاه السيد المرتضى وكلام المص ليس نصًا في إخباريته.
قوله: (لأنه صفح عن جريمتهم حِينَئِذٍ) فسقط حق العبد فيستحقون الدعاء
بالْمَغْفرَة حِينَئِذٍ.
قوله: (واعترفوا بها حِينَئِذٍ) أي جريمتهم مع الندامة والعزم عَلَى عدم العود فيكون
توبة نصوحًا فيستحقون أَيْضًا طلب لهم أو فهم كانوا مغفورين حِينَئِذٍ فيكون حِينَئِذٍ خبرًا كما
في الأول كان إنشاء (وهو أرحم الراحمين) وهذا من قبيل مراعاة النظير
لعل فائدته والله أعلم تحقيق حصول الْمَغْفرَة لهم فإن يوسف عَلَيْهِ السَّلَامُ رحمهم وصفح
عن جريمتهم والله تَعَالَى أرحم منه فمغفرته لهم وغفره عليهم أولى بالطريق وهذا يؤيد كون
(يغفر الله لكم) خبرًا وإن كان دعاء فهو لتَحْصيل الطمأنينة وللوثوق لهم
بإجابة الدعاء كذا قيل. ومثل هذا الْقَوْل أكثر وقوعه بعد الأمر كقوله:(وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ
وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ)فكون كَذَلكَ يؤيد كون يغفر إنشاء ودعاء
وبهذا البيان اتضح ختم الْكَلَام بذلك أنسب من الختم بقول وهو خير الغافرين. وإن ظن في
الظَّاهر أن هذا أنسب من ذلك.
قوله: (فإنه يغفر الصغائر والكبائر) أي عَلَى الإطلاق ما سوى الشرك، وأما رحماء
العباد فلا مساغ لهم عفو الكبائر عَلَى الإطلاق كمن يرى شخصًا يفعل القبيح لا سيما
المحارم فلا يجوز صفحه وعفوه وكذا نظائره.