بأن طريق الوسوسة غير الوسوسة فإنه يَشْمَل لما كان من حديث النفس انتهى. يعني أن
المعترض غفل عن قول الْمُصَنّف عَلَى طريق الوسوسة وتوهم أنه أثبت للأنبياء وسوسة
الشَّيْطَان مع أنه أثبت لهم طريق الوسوسة، وشتان ما بَيْنَهُمَا. والْمُرَاد بالطريق الطرز والمثل
وحديث النفس الذي قلما ينجو الْإنْسَان عنه كهمِّ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَامُ كما أوضحه هناك هذا
وأن الْمُرَاد قوله هذا من قبيل فصل الخطاب أي خذ هذا الْجَوَاب فإنه الوجه الصواب، ثم
أَشَارَ إلَى توجيه آخر لكلام ابْن عَبَّاسٍ - رضي الله تَعَالَى عنهما - فقال وإن الْمُرَاد ليس الظن
الذي من أفراد الإدراك حتى يشكل علينا بل الْمُرَاد المُبَالَغَة في التراخي والإمهال كقوله
تَعَالَى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ) إلَى قَوْله:(وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ
الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ)الآية.
قوله: ( [هذا وأن] الْمُرَاد به المُبَالَغَة في التراخي والإمهال عَلَى سبيل التمثيل) أي
طريق الاسْتعَارَة التمثيلية أي شبه الهيئة المنتزعة عن الْأَنْبيَاء وحالهم واستبطائهم
وادعائهم أن أخذ الْكُفَّار أمهلوا بغاية الإمهال وإن لم يحتمل الإهمال ووصل التراخي
إلى نهاية المنال بالهيئة المنتزعة من أشخاص وظنهم أنهم قد كذبوا وأخلفوا ما وعدهم
اللَّه من النصر وإنزال اليأس عَلَى الفجار فذكر الْكَلَام الموضوع الدال عَلَى الهيئة
والمشبه بها وأريد الهيئة المشبهة وأنت تعلم أن المشبه به لا يجب أن يكون محققًا بل
يكفي الفرض والتقدير، ولا يخفى عليك أن الوجه الأول لا يرد عليه الإشكال الْمَذْكُور
إذ لم يؤخذ فيه كذب الوعد منه تَعَالَى بل كذب أنفسهم إياهم حين حدثنهم بأنهم
ينصرون؛ إذ يجوز تحديثهما لهم بالأمر لم يوعدوا به بل من تلقاء أنفسها ولذا قابله
الْمُصَنّف بما روي عن ابْن عَبَّاسٍ - رضي الله تَعَالَى عنهما -.
قوله:(وقرأ غير الكوفيين بالتشديد أي وظن الرسل أن القوم قد كذبوهم فيما
أوعدوهم)مع كونه مبنيًا للمَفْعُول والضمائر كلها للرسل؛ إذ لا محذور فيه كما أشار إليه
بقوله أي وظن الرسل أن القوم قد كذبوهم فجعل الْفَاعل المقدر القوم. قوله فيما أوعدوهم
من نزول العذاب والظن حِينَئِذٍ بمعنى اليقين كما قيل. وكون الْمَعْنَى هكذا أي وظن الرسل
أن القوم قد كذبوهم في الدعوة إلَى التوحيد والوعيد الأكيد ليس ببعيد، وكون الظن حِينَئِذٍ
بمعنى اليقين ظَاهر سديد. والظَّاهر أن ما في قوله فيما أوعدهم مصدرية أي في إبعاد الرسل
ويجوز كونها موصولة أو مَوْصُوفة أي فيما أوعدهم به كما قال فيما مَرَّ قد كذبوا فيما وعد
لهم من النصر وفيما سيأتي إشَارَة إليه.
قوله:(وَقُرئَ «كُذِبُوا» بالتخفيف وبناء الْفَاعل أي وظنوا أنهم قد كذبوا قومهم فيما
حدثوا به عند قومهم)حذف الْمَفْعُول بقرينة قوله عند قومهم ودعوى التنازع فيه مما يتنازع
فيه. والضمائر أَيْضًا كلها للرسل والظن عَلَى هذا بمعنى التوهم كما في الاحتمال الأول من
الْوُجُوه الْمَذْكُورة في قراءة التخفيف وبناء الْمَفْعُول.
قوله: (لما تراخى منهم ولم يروا له أثرًا) يؤيد ذلك؛ إذ التراخي وعدم رؤية الأثر إنما