ثم ساق الْكَلَام في رد قول من قال [إن] ما في جوابها فعل أو شبهة فراجعه كذا قاله
الفاضل المحشي. وإذ لا يجزم [بلا ما] إلا عَلَى قلة، كَمَا صَرَّحَ به النحاة وما اختاره الْمُصَنّف
مذهب الأكثرين عَلَى أنه بحث قليل الجدوى إذا حد القولين بناء عَلَى مذهب والآخر عَلَى
مذهب آخر ومثل هذا غير مستحسن عند أهل النظر ولا يجوز أَيْضًا أن يعمل في خلق
جديد لأن ما بعد الاسْتفْهَام لا يعمل فيما قبله وكذا ما بعد إن فهنا مانعان عن العمل
والاستفهام للإنكار الوقوعي لكمال الاستبعاد وتكرير الهمزة في أئنا لتأكيد الإنكار وليس
مدار إنكارهم كونهم ثابتين في الخلق الجديد عند كونهم ترابًا كما يشعر به ظَاهر مقالهم
فإن هذا ليس بمستبعد إنكاره، بل كونهم قابلين لذلك واستعدادهم له كأنهم قَالُوا:(أئذا كنا
ترابًا أئنا لفي خلق جديد)بعده.
قوله: (لأنهم كَفَرُوا بقدرته عَلَى البعث) إذ الإنكار الْمَذْكُور يستلزم إنكار القدرة
والظَّاهر من كلامهم أنهم أنكروا إمكان الإعادة بناء عَلَى زعمهم أن إعادة المعدوم بعينه
محال فإنكار القدرة عَلَى المستحيل ليس بمحذور فالمقابلة معهم إثبات إمكان الإعادة كما
سبق تقريره حيث قال والآيات المعدودة دالة عَلَى إمكان الإعادة أَيْضًا، فالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ:
فكَفَرُوا بإمكان البعث وأن يجعل كفرهم بربهم سببًا لكفرهم بالبعث دون العكس كما ذهب
إليه الْمُصَنّف. وكون اسم الإشَارَة إلَى الذات مع الصفات يعين ما ذكرنا، وأَيْضًا كون مثل هذا
الْكَلَام إشَارَة إلَى علة الحكم يؤيده أَيْضًا.
قوله: (مقيدون بالضلالة أو لا يرجى خلاصهم) أي الْكَلَام محمول عَلَى التمثيل شبه
حالهم وهو اختيارهم الضلال بحَيْثُ لا يمكن لهم الالْتفَات إلَى الهدى سبب كونهم مألوفة
بالْهُدَى ومؤفة القوى والتعامي عن الآيات الباهرة والتمام عن استماع الدلائل القاهرة بحال
من جعل في أعناقهم أغلالًا فهم مقمحون وجعل السد من كل جانب فهم لا يبصرون
فاستعمل ما هُوَ الدال عَلَى الهيئة المشبهة بها في الهيئة المشبهة. وجه الشبه عدم رجاء
الخلاص والتمكن في سبب الهلاك حسي في المشبه به ومعنوي في المشبه(أو يغلون يوم
الْقيَامَة)فالْكَلَام عَلَى حقيقته آخره؛ إذ الْمُتَبَادَر كونهم مَوْصُوفين بذلك حالًا فيكون مَجَازًا
أوليًا عَلَى هذا الاحتمال (لا ينفكون عنها) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: مقيدون بالضلال، فعلى هذا يكون الغل مَجَازًا مُسْتَعَارًا والْجُمْلَة تمثيل مبني عَلَى تشبيه
حال بحال مثلها وقوله: أو يغلون يوم القيامة عَلَى حمل الغل عَلَى حقيقة معناه قوله: وتوسيط
الفصل يعني توسيط ضمير الفصل وهو لفظهم في (هُمْ فيها خالدُونَ) يفيد معنى القصر والتَّخْصِيص
فالآية حجة لنا عَلَى المعتزلة القائلين بأن عصاة الْمُؤْمنينَ من أصحاب الكبيرة مخلدون في النَّار.
أقول الضَّمير هَاهُنَا في صدر الْجُمْلَة لا في الوسط لأن قوله عز وجل: (وأُولَئكَ أَصْحَابُ النَّار)
جملة برأسها كما قبله فما معنى قوله وتوسط الفصل وتكرير أُولَئكَ في الجملتين
الأوليين لاستقلال كل من العذابين وشدته وترك الواو في الثالثة لوقوعها موقع الاسْتئْنَاف جوابًا لما
عسى يسأل ويقال: فما حالهم بعد الدخول في النَّار فأجيب بأنهُمْ فيها خالدُونَ.