فَائدَة الحال الثانية والسجود بالطبع ميل بالطبع لا بالاختيار ؛ إذ لا اختيار له كما في
الجمادات فإن سجودها بميل طبعها إلَى السجود لا بالاختيار، وبهذا أَيْضًا اندفع الإشكال
بأن سجود العقلاء المكلفين غير سجود غيرهم فَكَيْفَ يسوغ التَّعْبير عنهما بلفظ واحد؟ وجه
الاندفاع أن الْمُرَاد معنى وأحد وهو الاستسلام شامل لهم جَميعًا بطَريق عموم الْمَجَاز ؛ إذ
الظَّاهر أن الاستسلام والانقياد معنى مجازي للسجود شامل للسجود الحقيقي وهو وضع
الجبهة عَلَى الْأَرْض بنية التقرب، والمجازي وهو انقياده بميل الطبع إلَى التذلل، وإن أريد
بالسجود الانقياد فلا يكون عموم الْمَجَاز لأنه حَقيقَة في السجود بمعنى وضع الجبهة عَلَى
الْأَرْض وفي انقياد غير العقلاء. صرح به في التلويح في بحث المشترك. قوله: يقال سجدت
النخلة الخ. يؤيد ما ذكرناه .
قوله: (أو سجدا حال من الظلال وَهُمْ دَاخِرُونَ حال من الضَّمير) حال من الظلال
ويؤيده قَوْلُه تَعَالَى في سورة الأعراف: [ (بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) ] آخره
مع أنه مؤيد بتلك الآية؛ لأن سجود الظل بالتبع كما أشار إليه المص هناك فهو تابع لصاحب
الظل. قوله حال من الضَّمير أي الضَّمير في ظلاله لا الضَّمير في سجدًا للَّه ؛ إذ فيه تكميل
حسن لوصف الظلال بالسجود وأصحابها بالدخور الذي أبلغ؛ لأنه انقياد قهري مع صفة
المنقاد. وجه تغيير الأسلوب لرعاية الفاصلة واختيار الْجُمْلَة الاسمية لدلالتها عَلَى الدوام
ويجوز أيضًا عَلَى هذا كون وَهُمْ دَاخِرُونَ حالًا من الضَّمير في سجدا لكن يفوت المُبَالَغَة .
قوله: (والْمَعْنَى ترجع الظلال بارتفاع الشمس وانحدارها) أي عَلَى الوجه الأخير
ترجع الظلال الخ. أي الْمُرَاد بالسجود انقيادها لأمر الله تَعَالَى برجوعها من جانب إلَى جانب
معنى عن اليمين والشمال. قوله بارتفاع الشمس الخ. إشَارَة إلَى أن حصول الظل بسَبَب
الشمس كما دل عليه قَوْلُه تَعَالَى:(أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ
سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا)الآية.
قوله: (أو باخْتلَاف مشارقها ومغاربها بتقدير الله تعالى من جانب إلى جانب) فالتفيؤ
على هذا هُوَ انتقال الظلال من جانب إلَى جانب كما أن الْمُرَاد بالتفيؤ في الأول تناقص
الظل إلَى النزول ثم تزايده وانبساطه في جانب المشرق .
قوله:(منقادة لما قدر لها من التفيؤ، أو واقعة على الأرض ملتصقة بها على هيئة
الساجد)منقادة معنى سجدتها بالطبع كالإحراق في طبع النَّار. قوله: أو واقعة عَلَى الْأَرْض.
عطف عَلَى منقاده بيان لمعنى سجدتها بوجه آخر اسْتعَارَة لابتنائه عَلَى التشبيه أشار إليها
بقوله عَلَى هيئة الساجد .
قوله: (والأجرام في أنفسها أيضًا داخرة أي صاغرة منقادة لأفعال الله تَعَالَى فيها)