الْقَوْل بأن الكاف للتعليل كما قيل ليس بمناسب؛ إذ معناها الْمَشْهُور وهو التشبيه صحيح
لكن التشبيه لظهور المشبه به وإلا فالرحمة المطلوبة الْأُخْرَويَّة والمشبه بها الرحمة الفانية
فلا مناسبة بَيْنَهُمَا، ولعل من ذهب إلَى كون الكاف للتعليل نظر إلَى ذلك. وقال الطيبي: إن
الكاف لتأكيد الوجود كأنه قيل رب ارحمهما رحمة محققة مكشوفة لا ريب فيها كقوله
تَعَالَى: (مثل ما أنكم تنطقون) انتهى. وهذا كلام طيب لكنه ليس بخاص
في هذا المَوْضع لأن المشبه به لا بد وأن يكون أعرف ولو ادعاء فيكون الْمَعْنَى في كل
مَوْضع كَذَلكَ فعلم منه أنه ليس بوجه يغاير كونه للتشبيه.
قوله: (وفاء بوعدك للراحمين) أي بوعدك الخ. إشَارَة إلَى ما روي أنه عَلَيْهِ السَّلَامُ قال:
"الراحمون يرحمهم الرحمن"الْحَديث. قوله للراحمين فيه تَغْليب. قيل وعلى ما ذكره الْمُصَنّف
لا يخلو الْكَلَام أَيْضًا عن معنى التعليل، ولهذا ذكر وجهه بقوله وفاء بوعدك الخ. وفيه ما فيه.
قوله:(روي: أن رجلًا قال لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إن أبوي بلغا من الكبر أني أَلِي
منهما ما وليا مني في الصغر فهل قضيتهما حقهما. قال: لا فإنهما كانا يفعلان ذلك وهُما
يحبان بقاءك وأنت تفعل ذلك وتريد موتهما)قيل قال ابن حجر: إنه لا يوجد في
كتب الْحَديث قوله أنى أَلِي من الولاية أي أكرمهما وأحسنهما مثل [إحسانهما] في صغري
قال فهل قضيتهما أي حقهما بتقدير الْمُضَاف وفي هذا الخبر تأييد بقوله ولا تكتف
برحمتك الفانية بل ادع اللَّه أن يرحمهما برحمته الباقية حيث أشير إلَى أن رحمتك
الفانية لا توازن رحمتهما الفانية لأن رحمتهما رحمة محضة ورحمتك رحمة مشوبة
بالنقمة لإرادتك موتهما.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
أي أنا ابن رجل [جلا] . ونقل صاحب اللباب عن بعضهم أن الكاف في (كما ربياني) لتأكيد
الوجود وذكر الشارح في توجيهه أنه ليس الكاف فيه للقرآن في الوقوع كما في قولك: حضر زيد قام
عمرو؛ لأن التَّرْبيَة من الوالدين واقعة والرحمة لهما مطلوب الوقوع لأنها مذكورة بصيغة الأمر في
(رب ارحمهما) فالكاف ليست للمقارنة في الوقوع بل التَّأْكيد وجود الرحمة أي أوجد رحمتهما
إيجادًا مؤكدًا محققًا كما أوجد الوالدان التَّرْبيَة إيجادًا محققًا في الزمان الْمَاضي.
قوله: وفاء بوعدك للراحمين."الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الْأَرْض يرحكم من"
في السَّمَاء"."
قوله: فهل قضيتهما. أي فهل حكمتهما بإحكام كما [أنهما] يحكماني في صغري. قوله ما فرط
منهم أي ما فرط منهم في حال الغضب وعند حرج الصدر وعندما لا يخلو عنه البشر.