ظَاهر الآية. تدل عَلَى تفضيل الْمَلَائكَة عَلَى البشر عَلَى الْمَعْنَى الثاني وهذا مخالف
لمذهب جُمْهُور أهل السنة وموافق لمذهب المعتزلة فأجاب بأن تفضيل جنس عَلَى جنس لا
يقتضي تفضيل كل فرد منه عَلَى كل فرد من الآخر، كما لا يقتضي عدم التَّفْضيل لكن الدليل
على تفضيل بعض أفراد البشر عَلَى كل الْمَلَائكَة أو عَلَى بعضهم، فالْمُرَاد بالجنس الْحَقيقَة
من حيث تحققها في ضمن كل الأفراد لا الْحَقيقَة من حيث هي هي فاللازم من النظم
عدم تفضيل جنس البشر بمعنى كل فرد فرد منه عَلَى جنس الملك ؛ إذ بني آدم عام كما عرفته
ولذا أتي بصيغَة الجمع فليست الْإضَافَة للعهد فكذا ضميره فلا ينافي في ذلك تفضيل بعض
أفراد البشر عَلَى كل الملك أو عَلَى بعضه واستوضح بعدم تفضيل جنس المرأة بمعنى كل
فرد فرد منها عَلَى جنس الرجل فإنه لا ينافي تفضيل بعض أفراد النساء مثل [حواء] وسارة
ومريم وخديجة الكبرى وعائشة الصديقة وفاطمة الزهراء - رضي الله تَعَالَى عنهن أَجْمَعينَ -
على كثير من الرجال، ولك أن تقول: إن تفضيل الْمَلَائكَة بمعنى الكل المجموعي لا بمعنى
كل فرد فرد منهم عَلَى جنس البشر لا يقاضي كل فرد فرد منهم عَلَى كل فرد فرد من البشر
فالوجهان متقاربان لكن في الأول يراد الكل الإفرادي، وفي الثاني يراد الكل المجموعي
يعرف وجهه بالتأمل الأحْرى، وإنَّمَا اختار الأول لأن الْمُتَبَادَر من الاستثناء ذلك .
قوله: (والمسألة مَوْضع نظر) أي مختلف فيها بين أهل السنة فمنهم من ذهب إلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
السخيمة لا تنحل عن قلوبهم]. قال صاحب التقريب: ولقد شنع حتى أفحش فنقول تفضيل المَلَك
أحد قولي أهل السنة وهو مذهب ابْن عَبَّاسٍ واختيار الزجاج، وَأَيْضًا غايته التمسك بالمفهوم وهو أن
تَخْصيص الكثير يدل عَلَى أن القليل بضد ذلك، واختلف في كونه حجة عَلَى أن أبا حنيفة رحمه الله
لا يقول بالمفهوم فأما أن يدل عَلَى أنه ليس مفضلًا عَلَى القليل، ولا يلزم منه مذهبه وهو تفضيل
القليل فقد يستويان ثم يحتمل أن يراد بكثير ممن خلقنا الْمَلَائكَة ؛ إذ هم كثير من العقلاء المخلوقين
فيكون بنو آدم أفضل منهم. وعلى الْجُمْلَة فذلك التشنيع شنيع. ذكر شيخ الْإسْلَام في كتاب الرسف
أنه ورد أن البيت المعمور يطوف به كل يوم سبعون ألفًا لا يعودون إليه إلَى يوم القيامة. أورد أن كل
قطرة تنزل من السحاب إلَى الْأَرْض يصحبها ثلاثة أملاك وحاصل جواب المص أن المخرج من
حكم التَّفْضيل القليل الذي هم جنس الْمَلَائكَة أو الخواص منهم، ولا يلزم من عدم تفضيل الجنس
أي من عدم مفضلية جنس الْمَلَائكَة عدم مفضلية بعض أفراد ذلك الجنس لجواز أن يكون بعض
أفراد جنس الْمَلَائكَة كخواص الْمَلَائكَة أفضل من الْإنْسَان فإن المذهب الحق أن خواص الْمَلَائكَة
أفضل من عوام البشر مع أن جنس الملك هُوَ المخرج من حكم فضلناهم عَلَى كثير. ولا ينافي هذا
أن يكون خواص البشر أفضل من خواص الْمَلَائكَة وعوامهم من عوامهم عَلَى ما عليه أهل السنة .
قوله: والمسألة مَوْضع نظر. أي محل فكر وتأمل، ولذا اضطرب العلماء بها وقصة خلق آدم