قَوْلُه تَعَالَى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا(79)
قوله: (وبعض الليل فاترك الهجود للصلوات والضَّمير للقرآن) وبعض الليل الخ. أشار
إلى أن من [تبعيضية] للإشَارَة إلَى عدم اسْتغْرَاق الليل للعبادة فإنه ليس بممدوح. وأَشَارَ إلَى
أن التفعل بناؤه للسلب والهُجود بضم الهاء النوم ومعناه التجنب عن النوم مثل تأثم أي
تجنب الإثم كما في الشافية. وحاصله ترك النوم. قوله للصلاة مُسْتَفَاد من قوله (نافلة لك) مع
أن السياق في بيان الصلاة والضَّمير للقرآن بطَريق الاسْتخْدَام إن أريد به الصلاة فاندفع
إشكال الجصاص بأن كون الْمُرَاد به الصلاة يأباه قوله:
(وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ)
فإنه لا معنى للتهجد بصلاة الفجر، وإن أريد به ظاهره كما اختاره الجصاص فالأمر
ظَاهر. ومن الليل في محل نصب والفاء عاطفة عَلَى مقدر أي قم فتهجد أو عَلَى نسق وإياي
فارهبون فالفاء حِينَئِذٍ مفسرة.
قوله:(فريضة زائدة لك على الصلوات المفروضة، أو فضيلة لك لاختصاص وجوبه
بك)فريضة الخ. فالنافلة بمعناها اللغوي وهو الزّيَادَة فالصلاة في الليل وإن كانت مندوبة
على الأمة لكنها فريضة عَلَيْهِ السَّلَامُ والتعبير بالنافلة لكونها زائدة عَلَى المفروضة الْمَذْكُورة
في الآية السابقة فالزائد حقه أن يكون من جنس المزيد عليه فالتهجد من الفرائض، صرح
أئمة الأصول بأنه من خصائصه عَلَيْهِ السَّلَامُ، وقد روي عنه عَلَيْهِ السَّلَامُ"ثلاث عَلَيَّ فريضة"
ولأمتي تطوع قيام الليل والوتر والسواك"والتهجد فرض عَلَى الأمة أَيْضًا ثم نسخ فرضيته"
بعد فرض الصلوات الخمس بالنسبة إلَى الأمة وبقي فرضيته عَلَى النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وهذا
هو الصحيح كما قال المص لاخْتصَاص وجوبه بك. وقيل نسخ عنه فرضية التهجد وصححه
النووي ونقله أبو حامد عن الشَّافعية، فعلى هذا يكون الْمَعْنَى (نافلة لك) أي زيادة لك في
الدرجة لا مكفرة، وأما بالنسبة إلَى الأمة فهي مكفرة ولم يلتفت إليه المص لبعده عن المقام
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أي وبعض الليل فاترك الهجود. معنى البعضية مأخوذ من لفظ من، والهجود النوم ليلًا
وظَاهر تهجد أمر بالهجود لكن الْمُرَاد به الأمر بترك الهجود وهذا من اسْتعْمَال هذه الصيغة في الترك
عند العرب كالتاثم والتخرج يقال تأثم عن كذا أي تركه لعده إثمًا، وتخرج عنه أي تركه بعده خارجًا.
قوله: لاخْتصَاص وجوبه [بك] . معنى الاخْتصَاص مُسْتَفَاد من اللام في (لك) ومعناه مختص
وجوبه بك لا يتعدى إلَى غيرك فهو من الأحكام الخاصة به - صلى الله عليه وسلم - فإن التهجد لغيره عَلَيْهِ السَّلَامُ
مندوب غير واجب.