وإن أجازه الكسائي مستدلًا بهذه الآية. فأَشَارَ إلَى جوابه بما ذكره. حاصله أن عمل باسط هنا
لكونه بمعنى الحال ولو محكيًا .
قوله: (بفناء الكهف، وقيل الوصبد الباب، وقيل العتبة) الفِناء بكسر الفاء والمد الرحبة
التي يرتفق بها عند الدار ونحوها وهذا قول الزجاج وهو الْمُخْتَار، ولذا مرض الْقَوْلين
الأخيرين لما قيل الكهف لا يكون له باب ولا عتبة وإنما أراد أن الكلب فيه مَوْضع العتبة من
البيت وهذا مراد من قال: والْمُرَاد بالباب والعتبة موضعهما أي محل العبور وما يحاذيه من
الْأَرْض فيكون اسْتعَارَة، وهذا إذا قيل إن الباب والعتبة مختصان بالبيت والدار وسور المدينة
وأما إذا قيل الباب مطلق الفرجة الذي يدخل النَّاس منها فلا مجاز وكذا الْكَلَام في العتبة
والبعض اكتفى بالباب والعتبة داخل في الباب بل معنى البسط في الباب البسط في العتبة .
قوله: (فنظرت إليهم) أي بأن نظرت الخ. فالفاء تفسيرية يعني الْمُرَاد بالاطلاع
الاطلاع بالنظر بقرينة (لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا) إذ الاطلاع عَلَى الأمر المهيب بغير النظر والرؤية لا
يوجب الفرار .
قوله: (وَقُرئَ «لَوُ اطلعت» عليهم بضم الواو) أي تشبيهًا لها بواو الضَّمير كقوله
تَعَالَى: (أُولَئكَ الَّذينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بالْهُدَى) الآية.
قوله: (لهربت منهم) تفسير لما هُوَ الْمُرَاد من التولي فإنه قد يكون فلا هرب ولا
يحسن أن يجعله تفسير المجموع قوله (لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرارًا) فإنه لا
يلائمه قوله: (فِرارًا) يحتمل المصدر الخ. عَلَى أن فرارًا لا بد وأن
يكون خارجًا من مفهوم لوليت غاية الأمر أن فرارًا قرينة عَلَى أن الْمُرَاد به الهرب ؛ إذ
القرينة قد تكون مؤخرة .
قوله: (وفرارًا يحتمل المصدر لأنه نوع من التولية والعلة والحال) كقولك قعدت
جلوسًا لأنه نوع من التولية فإن بَيْنَهُمَا عمومًا وخصوصا من وجه، وهذا مادة الاجتماع في
التحقق ومادة الافتراق تولي الظهر بلا فرار والفرار حين الْمُوَاجَهَة بدون تولي الظهر .
قوله: (خوفًا يملأ صدرك) وهذا مقدم في الوجود لأنه سبب التولي والفرار والواو لا
يقتضي الترتيب والنُّكْتَة في ترتيب الذكر أن التولي لكونه محسوسًا أظهر علامة عَلَى هيبتهم
قوله: خوفًا تفسير رعبًا ؛ إذ الرعب الخوف الذي يملأ الْقُلُوب. قوله يملأ صدرك إشَارَة إلَى أن
التمييز محول عن الْفَاعل ؛ إذ تقديره ولملئ رعبك عَلَى أن الإسناد مجاز عقلي مثل سيل
مفعم. وما ذكره الْمُصَنّف حاصل الْمَعْنَى لا حل الْمَعْنَى وفيه مبالغات الأولى ما ذكرناه
والثانية إسناد الْفعْل المبني للمَفْعُولِ إلَى المخاطب، والْمُرَاد صدره كأنه ملئ من قرنه إلَى
قدمه والثالثة جعل منشأ الرعب ذواتهم، والْمُرَاد أوصافهم في الهيبة المعنوية النازلة من خلق