الآية. لكن بقي الْكَلَام في أن القرينة الصارفة عن حمل الختم عَلَى الْحَقيقَة غير بينة ولا بينها
الْمُصَنّف فيجوز الختم عَلَى الْحَقيقَة بما ذكر القائل من أن القلب عَلَى هيئة الكف الخ.
والْجَوَاب أن الْحكْمَة في الختم بيان عدم فهمهم الحق وهو روحاني لا يمنعه الختم
الحقيقي، وإنما يمنعه الإحداث الْمَذْكُور وفي تقرير الْمُصَنّف تنبيه عَلَى ذلك .
قوله: (الثاني أن الْمُرَاد به تمثيل حال قلوبهم بقلوب البهائم) حاصلًا أن الآية. تمثيل
لكن ليس التمثيل الذي اختاره أهل السنة فإنه يبطل قاعدتهم شبه الهيئة المنتزعة من قلوبهم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قبول الحق والتوصل إليه بطرف وهو قبيح والله يتَعَالَى عن فعل القبيح عُلُوًّا كَبِيرًا لعلمه بقبحه
وعلمه بغناه عنه وقد نص عَلَى تنزيه ذاته بقوله: (وما أنا بظلام للعبيد) (وما
ظلمناهم ولكن كانوا هم الظَّالمينَ) (إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ)
ونظائر ذلك مما نطق به التنزيل قلت القصد إلَى صفة الْقُلُوب بأنها كالمختوم
عليها، وأما إسناد الختم إلَى الله عز وجل فلينبه عَلَى أن هذه الصّفَة في فرط تمكنها وثبات قدمها
كالشيء الخلقي غير العرضي ألا ترى إلَى قَوْلهم فلان مجبول عَلَى كذا ومفطور عليه يُريدُونَ أنه
بليغ في الثبات عليه وكَيْفَ يتخيل ما خيل إليك وقد وردت الآية. ناعية عَلَى الْكُفَّار شناعة صفتهم
وسماجة حالهم ونيط بذلك الوعيد عذاب عظيم ويجوز أن تضرب الْجُمْلَة كما هي وهي خَتَمَ اللَّهُ
على قلوبهم مثلًا كقولهم سالَ به الوادي إذا هلك وطارت به العنقاء إذا أطال العية وليس للوادي
ولا للعنقاء عمل في هلاكه ولا في طول غيبته، وإنَّمَا هُوَ تمثيل مثلث حاله في هلاكه بحال من سالَ
به الوادي وفي طول غيبته بحال من طارت به العنقاء فكَذَلكَ مثلت حال قلوبهم فما كانت عليه من
التجافي في الحق بحال قلوب خَتَمَ اللَّهُ عليها نحو قلوب الأغتام التي هي في خلوها عن الفطن
كقلوب البهائم أو بحال قلوب البهائم أنفسها بحال قلوب مقدر خَتَمَ اللَّهُ عليها حتى لا تعي شَيْئًا
ولا تفقه وليس له عز وجل في تجافيها عن الحق ونبوها عن قبوله وهو متعال من ذلك ويجوز أن
يستعار الإسناد في نفسه من غير الله فيكون الختم مسندًا إلَى اسم الله عَلَى سبيل الْمَجَاز وهو لغيره
حَقيقَة تفسير هذا أن الْفعْل ملابسات شتى يلابس الْفَاعل والْمَفْعُول به والمصدر والزمان والمكان
والمسبب له فإسناده إلَى الْفَاعل حَقيقَة وقد يسند إلَى هذه الأشياء عَلَى طريق الْمَجَاز المسمى
اسْتعَارَة وذلك لمضاهاتها الْفَاعل في ملابسة الْفعْل كما يضاهي الرجل الأسد في جرأته فاستعار له
اسمه فيقال في الْمَفْعُول به عيشة راضية وماء دافق وفي عكسه سبيل مفعم وفي المصدر شعر شاعر
وذيل ذايل وفي الزمان نهاره صائم وليله قائم وفي المكان طريق سار ونهر جار وأهل مكة يقولون
صلى المقام وفي المسبب بنى الأمير المدينة فالشَّيْطَان هُوَ الخاتم في الْحَقيقَة أو الكافر إلا أن الله
سبحانه لما كان هُوَ الذي أقدره ومكَّنه أسند إليه الختم كما يسند الْفعْل إلَى المسبب ووجه رابع
وهو أنهم لما كانوا عَلَى القطع والبت ممن لا يؤمن لا تغني عنهم الآيات والنذر ولا يجدي عنهم
الألطاف المحصلة والمقربة أن أعطوها لم يبق بعد استحكام العلم بأنه لا طريق إلَى أن يؤمنوا
طوعا واختيارًا طريق إلَى إيمانهم إلا القسر والإلجاء وإذا لم يبق طريق إلا أن يفسرهم ويلجئهم ثم
لم يقسرهم ولم يلجئهم لئلا ينتقض الغرض في التكليف عبر عن ترك القسر والإلجاء بالختم
إشعارًا بأنهم الَّذينَ تراءى أمرهم في التصميم عَلَى الكفر والإصرار عليه إلَى حد لا يتناهون عنه إلا
بالقسر والإلجاء وهي الغاية القصوى في وصف لجاجهم في الغي واستشرابهم في الضلال والبغي