وإعتراضهم عن الحق بالهيئة المنتزعة عن قلوب محققة خلقها الله تَعَالَى خالية عن الاستعداد
بالإدراك أو الهيئة المأخوذة من قلوب مفروضة ومن حالها ختمه عليها فاستعمل اللفظ
المركب أعني خَتَمَ اللَّهُ بتمامه المشتمل عَلَى إسنادها إلَى الله الموضوع للمشبه به في المشبه
على سبيل التحقيقي إن أُريد قلوب البهائم أو عَلَى سبيل التخييلي إن أريد الْقُلُوب
المفروضة والْمَذْكُور من ألفاظ المشبه به عَلَى هذا التمثيل مجموع خَتَمَ اللَّهُ، وأما التمثيل
الذي اختاره أئمتنا أهل السنة فالْمَذْكُور من ألفاظ المشبه به هُوَ ختم بدون الإسناد كما مر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
ووجه خامس وهو أن يكون حكاية لما كان الكفرة يقولون تهكمًا بهم من قولهم(قُلُوبُنَا في أَكنَّةٍ
ممَّا تَدْعُونَا إلَيْه وَفي آذَاننَا وَقْر وَمنْ بَيْننَا وَبَيْنكَ حجَاب)ونظيره
في الحكاية والتهكم قوله:(لَمْ يَكُن الَّذينَ كَفَرُوا منْ أَهْل الْكتَاب وَالْمُشْركينَ مُنْفَكّينَ حَتَّى تَأْتيَهُمُ
الْبَيّنَةُ)إلَى هنا كلام الكَشَّاف قَالَ القطب في بيان كلامه هذا فإن قلت: قد سبق أن لا
ختم هنا بالْحَقيقَة فلم يسند إلَى الله تَعَالَى بل أسند إليه ما لا ختم في الْحَقيقَة فلا محذور فنقول إن
لم يسند الختم فقد أسند إليه ما شابه الختم وهم المنع عن قبول الحق لأن معنى الآية. حِينَئِذٍ جعل
حال قلوبهم في الامتناع عن الحق كالختم عليها واعلم أنَّا إن قلنا جميع السكنات مستندة إلَى الله
تَعَالَى كما هُوَ مذهب الأشاعرة فلا إشكال، وإنَّمَا الإشكال عَلَى مذهب المعتزلة. وحاصله أن إسناد
الختم إلَى الله دال عَلَى أنه منع الحق ومنع الحق قبيح فَكَيْفَ أسند إليه أجاب من وجوه الأول أنه
ليس الْمُرَاد من قوله خَتَمَ اللَّهُ صريح إسناد الختم إلَى الله تَعَالَى بل الْمُرَاد التَّنْبيه عَلَى تمكن صفة
الكفر فيهم وتصوير ثباتهم عليها كأنها لهم شيء خلقي فإنهم إذا أرادوا أن يعبروا عن المُبَالَغَة في
الثبات عَلَى الشيء يقولون فلان مجبول عليه ولا يعنون تحقيق معنى الحق بل لا يُريدُونَ إلا
المُبَالَغَة في الثبات فكذا هَاهُنَا وعلى هذا يكون كناية إيمائية، وأما قوله وكَيْفَ يتخيل فهو تعريض
بالأشاعرة حيث أسندوا الختم إلَى اللَّه تَعَالَى عَلَى سبيل التحقيق فإن ذلك يتخيل فاسد لأن الآية.
تبين شناعة صفتهم حتى نيط بها العذاب فَكَيْفَ يسند إلَى الله تَعَالَى يقال نعى عليه هفواته إذا شهره
بها والوجه الثاني أن تضرب الْجُمْلَة بكمالها مثلا وهو إشَارَة إلَى أن التمثيل الْمَذْكُور أولًا بمجرد
الختم وهَاهُنَا بخَتَمَ اللَّهُ والتمثيل الأول أنه تَعَالَى جعل حال قلوبهم لحال الأشياء المختوم عليها
وهذا التمثيل أن حال قلوبهم كحال قلوب خَتَمَ اللَّهُ عليها بل تمثيل حالهم بحال من خَتَمَ اللَّهُ عَلَى
قلوبهم كما يقال فلان سالَ به الوادي ويقال أراك أيها الفقيه تقدم رجْلًا وتؤخر أخرى أي أراك في
تردد كمن يقدم رجلًا ويؤخر أخرى لكن تمثيلهم بالَّذينَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبهمْ وعلى سمعهم
بالْحَقيقَة والتَّفْصيل تمثيل قلوبهم بقلوب خَتَمَ اللَّهُ عليها وسمعهم بسمع خَتَمَ اللَّهُ عليها فلذلك قدره
كَذَلكَ ثم الْقُلُوب المشبه بها إما موجودة في الخارج من النَّاس كالأغتام وهي الأجلاف والأغتم
الجاهل الذي لا يفقه شَيْئًا أو من البهائم وإما غير موجودة يقدر خَتَمَ اللَّهُ عليها والوجه الثالث أن
إسناد الختم إلَى الله تَعَالَى بطَريق الْمَجَاز وهو اسْتعَارَة الختم للَّه من عبد الله وبيانه أن للفعل
متعلقات غير الْفَاعل وحقيقته أن يسند إلَى الْفَاعل، وأما إسناده إلَى غير الْفَاعل فعلى سبيل الاسْتعَارَة
شبه غير الْفَاعل بالْفَاعل في ملابسة الْفعْل فيستعار فعله لغيره كما شبه الرجل بالأسد في الشجاعة
فيستعار اسمه له وكما شبه المنية بالسبع فيستعار مخالبه له فكَذَلكَ الخاتم بالْحَقيقَة في الآية. الكافر
أو الشَّيْطَان لكن لما كان الله تَعَالَى هُوَ الذي أقدره ومكَّنه أشد الختم إليه وأقول جميع هذه الْوُجُوه