قوله:(الثالث أن ذلك في الْحَقيقَة فعل الشَّيْطَان أو الكافر لكن لما كان صدوره عنه
بإقداره تَعَالَى إياه أسند إليه إسناد الْفعْل إلَى المسبب)يعني أن إسناد الختم إليه تَعَالَى
مجازي من قبيل إسناد الْفعْل إلَى المسبّب بكسر الباء نحو أحيى الْأَرْض الربيع وفاعله
حَقيقَة الشَّيْطَان أو الكافر فكون الْمُرَاد به إحداث الهيئة لا ينافي مذهبهم لكون المسند إليه
حَقيقَة غيره تَعَالَى وفي هذا الوجه تصرفوا في الإسناد وفي الوجه الأول تصرفوا في الوصف
بجعل وصف الْكُفَّار وفعله أعني الإعراض عن الحق وهو عارضي بمنزلة الوصف الجبلي
بجامع الثبات والتمكن وعدم الزوال ولما جعل فعلهم كفعله تَعَالَى ادعاء وتنزيلًا كان
الإسناد إليه تَعَالَى حَقيقَة لكونه فعله تنزيلًا وبعض المحشيين جعل الإسناد أَيْضًا مَجَازًا
حيث قال التَّجَوُّز في الإسناد عَلَى وَجْهَيْن لأنه يكون بجعل الْفعْل كالْفعْل في الثبات
والرسوخ السابقين أو الْفَاعل كالْفَاعل للملابسة بَيْنَهُمَا وكل منهما مجاز حكمي انتهى. ولا
يخفى ما فيه لأنه قول لم يقل به سلف ولو سلم ذلك فبعد تشبيه الْفعْل بالْفعْل يكون الفعل
المشبه من أفراد الْفعْل المشبه به ادعاء كما حقق ذلك في الاسْتعَارَة فيكون إسناده إليه تَعَالَى
إسناد ما هُوَ له تنزيلًا فيكون حَقيقَة وإلا فما الحاجة إلَى ذلك التَّكَلُّف البعيد مع إمكان
جعل الإسناد مَجَازًا بالطريق الْمَشْهُور قوله لما كان صدوره عنه بإقداره تَعَالَى الخ. وإقداره
تَعَالَى سبب بعيد لأفعالهم والسبب القريب لها اختيارهم ذلك الْفعْل القبيح وصرف قدرتهم
التي أعطاها الله إياهم إلَى ذلك القبيح فلا يضر ذلك كون المقام مقام تشنيعهم وذمهم
وأورد عليه أنه يلزمه صحة إسناد جميع أفعال الشَّيَاطين والْكُفَّار إليه تَعَالَى. فإن قيل قد
أسندتموها إليه حَقيقَة فلم تنكرون إسنادها مَجَازًا؟ قلنا نحن نسند خلقها إليه تَعَالَى لا نفسها
ولو سلم فلا قبح في إيجادها عندنا تأمل بخلاف المعتزلة فإن الختم مثلًا قبيح من الله
عندهم فلا يستقيم إسناده إليه تَعَالَى ثم ذكر الشَّيْطَان لأن الإضلال والإغواء فعل الشَّيْطَان
وهذا لكون قلوبهم مختومة فلا إشكال بأن ذكر فعل الشَّيْطَان منافٍ لمذهب المعتزلة فإنهم
قَالُوا لو لم يكن العباد خالقة لأفعالهم لكانت الإثابة بالإيمان وتعذيب بعضهم بالكفر قبيحًا
والله تَعَالَى منزه عن فعله والظان إحداث يمنع عن قبول الحق من نفس العبد لأن الشَّيْطَان
لا مدخل له في ذلك الإحداث. وبالْجُمْلَة طرح الشَّيْطَان من البين ممدوح لدى الإخوان.
قوله: (الرابع أن أعراقهم) حاصله أن الختم عبارة عن ترك القسر والإلجاء إلَى
الإيمان لا المنع عن قبول الحق فالمحال هذا لا ذاك فيجوز إسناده إليه حَقيقَة فمعنى ختم
الله لم يقسرهم إلَى الإيمان كما سيصرح به الأعراق جمع عرق بكسر العين بمعنى الأصل
(لما رسخت في الكفر) سبب كونه ملكة وهيئة لما ذكرناه سابقًا من أن الأفعال تؤثر في
النفس وتحدث فيها أحوالًا حتى تصير ملكة راسخة بحَيْثُ يأخذ مجامع قلبه واستولت عليه