كأنه مسلوب الاختيار عنه وإلى هذا أشار بقوله رسخت(واستحكمت بحَيْثُ لم يبق طريق
إلى تَحْصيل إيمانهم سوى الإلجاء والقسر ثم لم يقرهم)إشَارَة إلَى معنى ختم وتفسير
المثبت بالنفي اللازم له كعكسه شائع في كلام الفصحاء خصوصًا إذا أريد به المعدولة وفي
كلامه إشَارَة إلَى أن ختم جواب سائل كأنه سائل بأنه قد علم من الآية السابقة أن هَؤُلَاء
الكفرة لا تغني الآيات والنذر عنهم فلم يبق طريق إلَى إيمانهم سوى القسر دهل يتحقق
ذلك فأجيب بأنه لم يقع القسر فلا يقع؛ إذ الْمَاضي في مثله للاسْتمْرَار؛ إذ علة عدم القسر
يقتضيه، ولك أن تقول: إن الْمَاضي هنا بمعنى المستقبل ولتحقق وقوعه عبر بالْمَاضي إذ
السؤال والْجَوَاب يلائم المستقبل؛ إذ الْمَاضي مفروغ عنه (إبقاء عَلَى غرض التكليف) وهو
إثابة المكلف بمقابلة إتيانه بما كلف به الاختيار أو عقابه بتركه اختيارًا لكن الغرض الأصلي
هو الإثابة، وأما العقاب فكأنه داء ساقه إليهم سوء اعتقادهم وشؤم أفعالهم كما نبه عليه
الْمُصَنّف في أوائل سورة يونس (عبر عن تركه بالختم) لعلاقة السببية بَيْنَهُمَا فإن الختم
سبب لعدم التعرض لشيء مختوم عليه وتركه وعلى حاله أو لعلاقة اللزوم فإن الختم عَلَى
الْقُلُوب يستلزم ترك القسر والإلجاء إلَى إدراك الحق فيكون ختم مَجَازًا مرسلًا فلا مجاز
حِينَئِذٍ في الإسناد فالْمُرَاد باللزوم اللزوم [العرفي] فلا إشكال بأن الختم لا يستلزمه بوجه من
الْوُجُوه وإن أريد الختم المجازي السابق فهو من الْمَجَاز بمرتبتين الذي لم يرضه هنا فإن
الختم الحقيقي يستلزم لزومًا عربيا ترك الشيء المختوم عليه عَلَى حاله عَلَى أن الظَّاهر أن
الْمُرَاد به الْمَعْنَى المجازي السابق والتَّجَوُّز من الْمَجَاز جائز، وإلى ذلك أشار بقوله (فإنه) أي
عدم القسر (سد لإيمانهم) إذ لا طريق في حقهم سواه فإذا ترك كان سدًا لإيمانهم كما أن
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: فإنه سد لإيمانهم أي فإن ترك القسر سد لإيمانهم فلذلك عبر عن الشرك بالختم فقوله
فإنه سد لإيمانهم بيان لوجه التَّعْبير عن الترك بالختم وتلويح إلَى وجه الشبه بين ترك القسر والختم
المصحح لاسْتعَارَة الختم للترك وتحقيق هذا الوجه الرابع أن القوم لما كانوا مصممين عَلَى الكفر
راسخي الأقدام فيه وما كان الطريق إيمانهم سوى القسر والإلجاء كنى عن ترك القسر والإلجاء بالختم
فهو من باب الكناية التلويحية لكثرة الوسائط بين أصل الْمَعْنَى للفظ وبين المطلوب وتقريره أن قوله
تَعَالَى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبهمْ) عَلَى رأيهم مشعر بأن اللَّه تَعَالَى لم يقسرهم ولم يلجئهم
إلى الإيمان وترك القسر والإلجاء مشعر بأن القسر والإلجاء مقتضى حالهم لأن الترك إنما كان لئلا
ينتقض عرض التكليف وهو حصول الاختيار للابتلاء وإلا كان الحق أن يقسر لأنه الطريق إلَى
إيمانهم وكون القسر والإلجاء مقتضى حالهم مشعر بأن الآيات والنذر لا تغني عنهم والألطاف
المحصلة والمقربة لا تجدي عليهم وكون الآيات والألطاف لا تنفعهم مشعر بأن ترامي أمرهم في
التصميم اقتضى غايات إصرارهم عَلَى الكفر ومدى نهاياته فانظر بين الكناية وبين المطلوب بها كم
ترى من لوازم وملوحات، والفرق بين هذا الوجه وبين الوجه الأول مع أن كلا منهما مجاز متفرع عن
الكناية المطلوب بها تمكنهم ورسوخهم عَلَى الكفر إن الأول مجاز متفرع عن الكناية الإيمائية وهذا
عن التلويحية لكن المطلوب منهما واحد وإن اختلف الطريق الموصل إليه قربًا وبعدًا والألطاف جمع
لطف وهو ما يختار المكلف عنده فعل الطاعة أو ترك المعصية فإن قارنه ذلك بالْفعْل فهو اللطف