في أواخر سورة مريم وجه التَّخْصِيص في الوَجْهَيْن هُوَ أنه إذا كان ظرفًا مستقرًا يكون
الْمَعْنَى ألقيت عليك محبة كائنة مني حاصلة من قبلي وما كان حاصلًا من جهته تَعَالَى هُوَ
ما كان في غيره؛ إذ لا معنى في جعل صفة كائنة منه حاصلة من قبله ولو سلم ذلك فلا
فَائدَة فيه؛ إذ لا نزاع فيه بخلاف ما كان في العباد فأنكر بعضهم كونه من الله تَعَالَى يحمل
عليه الفَائدَة أنه الحق، وأما إذا تعلق بـ ألقيت فيفيد أن مبدأ الملقى له اتصال به فيكون صفته.
قوله:(وظاهر اللفظ أن اليم ألقاه بساحله وهو شاطئه لأن الماء يسحله فالتقط منه، لكن
لا يبعد أن يؤول الساحل بجنب فوهة نهره)جواب إشكال وهو أن ما ذكر في الْقَوْل الْمَذْكُور
يخالف النظم فأجاب بأن ظَاهر النظم يفيد أن اليم ألقاه بساحله وهو شاطئه وسمي بالساحل
لأن الماء يسحله أي يحفره فساحل للنسب وإلا فحقه مسحول لا ساحل فالتقط منه فحِينَئِذٍ
يكون ما روي عن القيل يخالفه. قوله لكن الخ. إشَارَة إلَى الْجَوَاب بأنه لا يبعد أن يؤول
الساحل ولا يراد ظاهره. بجنب فوهة نهره أي نهر فرعون فوهة بضم الفاء وتشديد الواو
المفتوحة وهاء مفتوحة بعدها تاء ثالث أي فمه فذكر الساحل وأريد جنب فم نهر فرعون
تشبيهًا بالساحل فإنه جنب البحر فلا منافاة فاتضح صحة القيل؛ إذ الظَّاهر ليس بمقصود.
قوله: (ولتربي ويحسن إليك وأنا راعليك وراقبك) ولتربي حاصل الْمَعْنَى لأن تصنع
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: لأن الماء يسحله. أي يقشره أي يلقي إليه فشره من قدف له ثمة.
قوله: وظَاهر اللَّفْظ الخ. يعني ظَاهر اللَّفْظ يخالف الزواية لأن اليم البحر والساحل هُوَ
شاطئ اليم والقذف من اليم إنما يكون بالساحل وكَذَلكَ الالتقاط إنما يكون من الساحل وليس في
لفظ الْقُرْآن ما يدل عَلَى دخول التابوت البركة ليلتقط منها إلا أن يحمل اللَّفْظ عَلَى أن الساحل كان
متصلًا بفوهة نهر فرعون. وقيل رواية الواحدي ومحيي السنة أن اليم هُوَ نهر النيل والشاطئ
شاطئ النيل وكان يشرع من النيل نهر كبير في دار فرعون فحين هُوَ جالس مع امرأته عَلَى رأس
البركة إذا تابوت يجيء به الماء فأمر لإخراجه فأخرجوه. قوله أي محبة كائنة في هذا عَلَى تقدير
كون الظَّرْف مستقرًا. وقوله ويجوز أن يتعلق في بـ ألقيت مبني عَلَى كونه لغوًا. فعلى الأول إما أن
يقدر المتعلق عامًا كما هُوَ المنهرر وهو الْمُرَاد من قوله أي محبة كائنة مني أو خاصًا لقرائن
الأحوال وهو أن الله تَعَالَى أوقع محبته في قلب آسية وأعدى عدوه فرعون وفى قلب كل من أبصره
فتقديره وألقيت محبة موقعة مني وعلى الوجه الثاني لفظ من في مني [ابتدائي] يكون إلقاء المحبة
منشأ مبتدأ من الله تَعَالَى وإليه الإشَارَة بقوله - صلى الله عليه وسلم: ["ومن] أحبه الله أحبته الْقُلُوب"والوجه الأول أشمل
من حيث المَنْطُوق والوجه الثاني أبلغ أي أدخل في البلاغة من جهة المفهوم.
قوله: ولتربي ريحسن إليك وأنا راعليك وراقبك. هذا التوجيه عَلَى أن يكون قوله عَلَى عيني
بمعنى مرأى مني، وتَخْصيص الخطاب بمُوسَى مع أن جميع الأشياء كَذَلكَ من باب الاخْتصَاص
للتَشْريف كاخْتصَاص عيسى بكلمة اللَّه والكعبة ببيت الله، مع أن كل مخلوق قد وجد بكلمة كن وإن
جميع البيوت بيوت الله.