كسقيتها في المثال الْمَذْكُور أي علفتها تبنًا وسقيتها ماء باردًا وهنا يقدر جعل كما اختاره أو
أحدث قال في تفسير قَوْلُه تَعَالَى: (وَالَّذينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإيمَانَ) وأخلصوا
الإيمان والطريق الثانية أن يضمن العامل الْمَذْكُور معنى عام لهما. قال الْمُصَنّف في الآية.
الْمَذْكُورة فإنهم لزموا المدينة والإيمان فأَشَارَ إلَى أن تبوءوا يضمن فيه الملازمة وهي عام
للدار والإيمان وهذا الذي رجحه الْمُصَنّف هناك وهنا يقدر كأحدث أي أحدث الله عَلَى
قلوبهم وعلى سمعهم ختمًا وعلى أبصارهم غشاوة ولعل قوله فيما مر، وإنما الْمُرَاد بهما أن
يحدث في نفوسهم هيئة إشَارَة إلَى ذلك ولذا لم يتعرض هنا والطريق الثالث التَّجَوُّز به عنه
أي ختم إذا لوحظ في الْمَعْطُوف يكون مَجَازًا عن معنى جعل وأحدث مثلًا فلا يلزم الجمع
بين الْحَقيقَة والْمَجَاز ولضعفه لم يلتفت إليه. فإن قيل هل في تغاير الأسلوب لنكتة حيث
أوثر الْجُمْلَة الاسمية هنا والْجُمْلَة الفعلية في سورة الجاثية كما مَرَّ ذكره؟ قلنا ما يدرك بالْقُوَّة
الباصرة من الآيات المنصوبة الآفاق والأنفس لها حيثيتان حيثية كونها مستمرة في نفسها
وحيثية كونها مبصرة مرئية فمن حيث كونها مستمرة كان التعامي أَيْضًا مستمرًا فيليق حِينَئِذٍ
إيراد الْجُمْلَة الاسمية ومن حيث كونها مرئية يكون دلالتها عَلَى الحق متجددة فروعي
الحيثيتان في الموضعين فأوثر هنا جملة اسمية وهناك فعلية أو نقول إن ما يدرك بالبصر
نوعاد دائم مستمر كالسَّمَاوَات والْأَرضين وحادث زائل كالرعد والبرق والصواعق فالتعامي
عن الأول مستمر فيليق به الْجُمْلَة الاسمية والتعامي عن الثاني متجدد يحسن إيراده بالْجُمْلَة
الفعلية، وأما الْقَوْل في بيان النُّكْتَة لما ذكر هنا الكتب السماوية وهداية من اهتدى بها من
الْمُؤْمنينَ وهم السعداء أزلًا وأبدًا ثم عقبهم بأضدادهم الَّذينَ لم يفدهم الإنذار أصلًا بين
ذلك وعلله بأن مشاعرهم مجبولة عَلَى الغواية وعدم قبول الحق وأفاد أن بصرهم وبصيرتهم
مستمرة ثابتة عَلَى عدم النظر إلَى الآيات الْبَيّنَات قبل الدعوة وبعدها فلذا عدل إلَى الاسمية
وترك التصريح بالْفعْل وثمة ذكر من عرف الحق ثم عدل عنه كأهل الْكتَاب الَّذينَ لما
[جاءهم] ما عرفوا كَفَرُوا به فناسب التصريح بتجدد الغشاوة ولذا صدرت بقوله(أفرأيت
من اتخذ إلهه هواه)وقدم السمع فيها فلا ريب في أن هذا الْقَوْل بيان نكتة
إيراد الْجُمْلَة الاسمية هنا والفعلية هناك ولم يعكس، وأما بيان المقتضى في إيراد الْجُمْلَة
الاسمية تارة والفعلية أخرى فهذا الْقَوْل ساكت عنه مع أن المهم بيان ذلك.
قوله: (أو عَلَى حذف الجار وإبصار الختم بنفسه إليه) عطف عَلَى قوله عَلَى تقدير
فـ [حِينَئِذٍ] يكون الوقف عَلَى سمعهم حسنًا وهو ما لا يحتاج ما قبله إلَى ما بعده بدون العكس
والوقف التام ما لا يحتاج ما قبل كلمة الوقف إلَى ما بعده وبالعكس وكلاهما مقبولان فلا
يزيف هذا الوجه الوفاق عَلَى الوقف عَلَى سمعهم كما لا يزيف جعله منصوبا بتقدير جعل
(قوله. والْمَعْنَى وختم عَلَى أبصارهم بغشاوة) أشار به إلَى أن الهيئة المانعة عن قبول الحق