قوله: (من لفظ الغيبة إلَى صيغة التَّكَلُّم عَلَى الحكاية لكلام الله تَعَالَى) أي حكاية
مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لكلام الله تَعَالَى وإن لم يصرح بكونه حكاية من الله تَعَالَى للأمن عن
الالتباس؛ إذ من أجلى البديهيات إن أخرجنا به ليس مقول مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فلا جرم أنه
حكاية من الله تَعَالَى ثم حكاه الله تَعَالَى لنبيه عَلَى ما حكى مُوسَى عن الله تَعَالَى فلا التفات
حِينَئِذٍ في الحكاية وإن كان في المحكى، هذا إذا كان الذي جعل لكم من تتمة كلام مُوسَى
على أنه صفة لـ ربي أو منصوب عَلَى المدح وإن كان خبر المبتدأ مَحْذُوف عَلَى أنه من كلام
الله تَعَالَى ففي أخرجنا التفات مَشْهُور فحِينَئِذٍ ضمير عدل به راجع إلَى الله تَعَالَى إن جعل
مبنيًا للفاعل هكذا يَنْبَغي أن يحرر هذا المقام لأنه من مداحض الأقدام
قوله:(تنبيهًا عَلَى ظهور ما فيه من الدلالة على كمال القدرة والحكمة وإيذانًا بأنه
مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لمشيئته)لأنه لما عدل عن ضمير الغيبة إلَى ضمير العظمة دل
على أن ما أسند إليه أمر عظيم وإيجاد الأمور العظام إنما هُوَ بكمال القدرة والعلم التام
وخلق الْأَرْض حال كونها مهادًا وجعل السبل فيها وإنزال المطر منَ السَّمَاء وإن كان من
عظائم الأمور الدَّالَّة عَلَى كمال قدرة موجدها وعلمه الشامل لكن لم يقصد التَّنْبيه عليها
فعبر بضمير الغيبة؛ إذ النُّكْتَة مبنية عَلَى الإرادة وقد عبر بضمير العظمة عن موجدها في
مواضع أخر من الْقُرْآن، ولعل التَّخْصِيص هنا بالإخراج لأن منافعه أتم؛ إذ به قوام الحياة
وأشمل لجميع الحيوانات. قوله تنقاد الأشياء المختلفة إشَارَة إلَى وجه تَخْصيص التَّعْبير بنون
العظمة في الإخراج. قوله المختلفة مُسْتَفَاد من قوله شتى وجه ذلك إن مثل هذا التَّعْبير يعبر
به الملوك والعظماء النافذ أمرهم ونهيهم.
قوله: (وعلى هذا نظائره كقوله:(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء فَأَخْرَجْنا
بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوانُها)(أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ
السَّماءِ ماء فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ)من أن العدول في هذه النظائر لهذه النُّكْتَة
الأنيقة الرشيقة ولا حكاية في نظائره بل فيها التفات فقط. حدائق جمع حديقة أي البساتين.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
على كمال القدرة فإن قلت: لو قيل (فأخرج به من نبات شتى) لحصل الدلالة عَلَى
كحال القدرة والإيذان بأنه مطاوع فما وجه العدول وتغيير النظم؟ قلت نعم يحصل له أصل الدلالة
على ذلك لكن أريد ظهور تلك الدلالة فجيء بصيغَة التَّكَلُّم الدلالة عَلَى الظهور فإن ضمير التَّكَلُّم
أعرف من ضمير المخاطب وضمير الغائب لعدم الالتباس فيه فلما أسند الإخراج إليه عَلَى صيغة
التَّكَلُّم علم من غير التباس أن المخرج هُوَ ليس.
قوله: بنفاد الأشياء المختلفة لمشيئته. أخذ - رحمه الله - معنى الاخْتلَاف من لفظ شتى في قوله:
(من نبات شتى) .
قوله: كقوله (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ) وهذا
من باب الالْتفَات؛ إذ التَّعْبير أن في هذه الآية في كلامه متكلم واحد وكذا في قوله: (فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ) .