أن الثلاثي لا يستعمل في معنى الإمساك (ومنه) أي من قولهم أعذب عن الشيء إذا أمسك
عنه أخذ الماء (العذب) لمناسبة بَيْنَهُمَا إما لفظًا فظَاهر وإما معنى (لأنه) فلأن الماء العذب
(يقمع العطش) أي يزيله (ويردعه) أي يمنعه قوله نقاخًا بضم النون وقاف وخاء معجمة
بوزن غراب وهو الماء البارد العذب بكسر العطش وفي الصحاح النقاخ الماء العذب الذي
ينقخ الفؤاد ويبرده قوله وفراتًا أي (ولذلك) الْمَذْكُور (سمي) الماء العذب (نقاخًا وفراتًا)
لأنه يرفت العطش أي يكسره وفي الكَشَّاف لأنه يرفته عَلَى القلب أي رفاتًا أصله فجعل
العين فاء والفاء عينًا فصار فراتًا، فعلى هذا وزنه عفاة ولم يتعرض له الْمُصَنّف لأنه قيل عليه
إنه تعسف لأنه لم يرو رفاتًا بمعنى فراتًا قط وقد يقال مراده إنه يلاحظ فيه معنى اعتبره
الواضع حتى إذا لم يوجد صريحا تصرفوا في مادته بتقدير التقديم والتأخير فليس لنا قلبًا
حقيقيًا، ولا يخفى ما فيه من التَّكَلُّف (ثم اتسع) عطف عَلَى قوله والعذاب كالنكال أي وقع
الاتساع في العذاب بالتعميم دون النكال يعني أنهما في الأصل كانا مترادفين ثم اتسع في
العذاب فقط (فأطلق عَلَى كل ألم فادح) بفاء ودال وجاء مهملتين معناه المثقل الصعب
والْمُرَاد مؤلم صعب شاق (وإن لم يكن نكالًا أي عقابًا) أي مانعًا قوله يردع الجاني صفة
مقيدة لعقابًا فحِينَئِذٍ يكون النكال أخص؛ إذ حِينَئِذٍ يكون ردع الجاني عن المعاودة مأخوذًا في
مفهومه فيلزم أن لا يتحقق النكال في الْآخرَة وهذا مقتضى معناه لكن لقيام قرينة قد
يستعمل في معنى العقاب مُطْلَقًا مَجَازًا وعليه ورد قوله في حق فرعون(فأخذه الله نكال
الْآخرَة والأولى). نقل عن السجاوندي العذاب إيصال الألم إلَى الحي مع
الهوان فإيلام الأطفال والبهائم ليس بعذاب وفي نظر ظاهر.
قوله: (يردع الجاني عن المعاودة فهو) أي العذاب (أعم منهما) أي العذاب بعدما
اتسع أعم مُطْلَقًا منهما أي من النكال والعقاب؛ إذ العقاب جزاء العمل فلا يطلق عَلَى الآلام
التي تلحق الأطفال والبهائم مع أنه يطلق عليها العذاب والنكال أخص منه لما مَرَّ من أنه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: وكَذَلكَ يسمى نقاخًا وفراتا أي ولكون معنى العذب الكسر والرفع يسمى العذب من
الماء نقاحًا لأنه ينقخ العطش ويكسره وفراتا لأنه يرفته أي يفته يقال رفت الشيء يرفته بيده كما
يرفت المدر والعظم البالي ففراتا من رفت يرفت عَلَى القلب أي عَلَى قلب الحروف والْقيَاس رفاتا
قال محيي السنة والعذاب كل ما يعني الْإنْسَان ويشق عليه قَالَ الخليل العذاب ما يمنع الْإنْسَان عن
مراده ومنه الماء العذب كأنه يمنع الغطش.
قوله: ثم اتسع عطف عَلَى قوله العذاب كالنكال بناء ومعنى حتى أن كل نكال عذاب
وبالعكس إلا أنه اتسع في العذاب دون النكال.
قوله: يراد به ردع الجاني عن المعاودة صفة عقابًا أي ثم اتسع وأطلق في معنى عام وهو كل
ألم مثقل سواء أريد به ردع الجاني عن أن يعاود ما فعله من الجناية أو لم يرد فالعقاب أخذ نوعي
ذلك الْمَعْنَى العام المتسع فيه، أَلَا [تَرَى] أن العذاب الأخروي ليس للردع عن الجناية، وإنما هُوَ مجازاة
للجنايات التي اكتسبها العبد في دار التكليف.