وأعوانه من الجن والإنس فيكون في (ما تَعْبُدُونَ) عموم مجاز بالنسبة إلَى
الْعبَادَة وتَغْليب في لفظة (ما) إن قيل إنه مختص بغير ذوي العقول، والْمُخْتَار عند المص العموم.
قوله: (لما روي أنه عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لما تلا الآية على المشركين قال له ابن
الزبعري: قد خصمتك ورب الكعبة أليس اليهود عبدوا عزيرًا والنصارى عبدوا المسيح وبنو
مليح عبدوا الملائكة، فقال صلّى الله عليه وسلّم: «بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك»
فأنزل الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى) الآية. وعلى هذا يعم
الخطاب ويكون مَا مؤولًا بمن أو بما يعمه، ويدل عليه ما روي أن ابن الزبعري قال: هذا شيء
لآلهتنا خاصة أو لكل من عبد مِنْ دُونِ اللَّهِ فقال صلّى الله عليه وسلّم «بل لكل من عبد
مِنْ دُونِ اللَّهِ») لما روي الخ. قيل ذكر ابن حجر في تخريج أحاديث الكَشَّاف رواه ابن مردويه
والواحدي عن ابْن عَبَّاسٍ - رضي الله تَعَالَى عنهما - ابن الزبعرى بكسر الزاي الْمُعْجَمَة والباء
الموحدة وسكون العين المهملة وفتح الراء المهملة مع القصر معناه السيئ الخلق الغليظ
وهو لقب والد عبد الله القرشي وهو شاعر وقد أسلم بعد هذه القصة وصار من كبار
الصحابة. قد خصمتك أي غلبتك في الخصومة هذا بناء عَلَى زعمه، ولذا عبر بالْمَاضي. ورب
الكعبة أُقسم عليه لاعتنائه به. أليس الْيَهُود الخ. اسْتئْنَاف بيان للخصومة والاسْتفْهَام لإنكار النفي
وإثبات المنفي أي عبدوه، ولذا قال عَلَيْهِ السَّلَامُ ردًا عليه:"لا بل عبدوا الشَّيَاطين الخ. التي"
أمرتهم أي سولت لهم وزينت لهم"والأمر مُسْتَعَار لهذا التزيين وبنو مليح عَلَى صيغة التصغير"
بطن من قبيلة خزاعة فأنزل الله: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فقال عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:"بل هم عبدوا الشَّيَاطين التي أمرتهم بذلك"وبهذا التأويل
انحل ما اشتبه عَلَى ابن الزبعرى من ظَاهر الآية من أنه يلزم من عموم (ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) أن
يكون عزير والمسيح والْمَلَائكَة من أهل النَّار.
قوله: وعلى هذا يعم الخطاب. أي وعلى هذا التأويل يعم الخطاب من الكفرة كل من
يعبدون اللَّه سواء كان عبدة الأوثان أو عبدة المسيح أو عزير أو الْمَلَائكَة وغيرها؛ لأن جميع هَؤُلَاء
عبدة الشَّيَاطين الَّذينَ أمروهم بأن يعبدوا غير الله، فلما لزم من هذا التوجيه أن يكون الْمُرَاد بـ (ما) في
(ما تعبدون) الشياطين توجه أنه يجب حِينَئِذٍ أن يقال: ومن تَعْبُدُونَ يدل وما تَعْبُدُونَ. فأجاب بأن ما
مؤول بمن أو بما يعمه وغيره من غير أولي العقل عَلَى إرادة الجنس كما في قَوْله تَعَالَى:
(والسماء وما بناها) .
قوله: ويكون قوله: (إِنَّ الَّذِينَ) بيانًا للتجوز أي لتجوز في تعلق ما
تَعْبُدُونَ بالشَّيَاطين من باب الْمَجَاز في التعلق بالسبب فإن إغراء الشَّيَاطين لما كان سببًا لعبادتهم
عزيرًا والمسيح والْمَلَائكَة والأصنام صاروا كأنهم عبدوا الشَّيَاطين فيكون(الذين سبقت لهم منا
الحسنى)قرينة الْمَجَاز الكائن في التعلق من حَيْثُ إنه دال عَلَى أن الْمُرَاد بـ(ما
تَعْبُدُونَ)ليس عزيرًا والمسيح والْمَلَائكَة بل من يكون سببًا لعبادتهم لهم وهم الشَّيَاطين. وجه دلالة