قوله: (معارض بقَوْلُه تَعَالَى:(الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ) وشراء
عمر - رضي الله عنه - دار السجن فيها من غير نكير) وقد يجاب بأن الْإضَافَة باعْتبَار أنهم
يملكون البناء ولا كلام فيه وما نقل عنه صلى اللَّه تَعَالَى عليه وسلم قرينة صارفة عن
الْمُرَاد بالدار معناها الحقيقي وهو العرصة عند العرب والعجم والبناء وصف لها عند
الفقهاء فإنهم اصطلحوا عَلَى أن الوصف ما يزيد حسنًا ولو جوهرًا والبناء يزيد حسنًا في
العرصة مع كونه جوهرًا لكن أئمتنا قَالُوا الْمُرَاد بالدار في قَوْله تَعَالَى:(الَّذِينَ أُخْرِجُوا
مِنْ دِيَارِهِمْ)البناء بهذه القرينة الباهرة ولا تعارض بينه وبين ما ذكر
علماؤنا وكذا شرى عمر - رضي الله تَعَالَى عنه - كانت الأبنية وكانت دور مكة تسمى
السوائب عَلَى عهد رسول الله عَلَيْهِ السَّلَامُ من احتاج إليها سكنها ومن استغنى عنها
أسكن غيره وهذا مؤيد آخر لكون الْمُرَاد بالدار البناء والتَّفْصيل في كتب الفقه .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
المروزي المعروف بابن راهويه بالراء وفتح الهاء والواو وسكون الياء وكسر الهاء أحد أركان
الْمُسْلمينَ وعلم من أعلام الدين وممن جمع بين الْحَديث والفقه والإتقان والحفظ والورع. قال
الإمام الرازي رحمه الله:[وَقَدْ جَرَتْ مُنَاظَرَةٌ بَيْنَ الشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ الْحَنْظَلِيِّ بِمَكَّةَ وَكَانَ إِسْحَاقُ لَا
يُرَخِّصُ فِي كِرَاءِ بُيُوتِ مَكَّةَ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّه بِقَوْلِهِ تَعَالَى:(الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ
بِغَيْرِ حَقٍّ)فَأُضِيفَتِ الدَّارُ إِلَى مَالِكِهَا وَإِلَى غَيْرِ مَالِكِهَا، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ» وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رَبْعٍ»
وَقَدِ اشْتَرَى عُمَرُ بن الخطاب رضي اللَّه عنهما دَارَ السِّجْنِ، أَتُرَى أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ مَالِكِهَا أَوْ مِنْ غَيْرِ مَالِكِهَا؟ قَالَ إِسْحَاقُ: فَلَمَّا عَلِمْتُ أَنَّ الحجة قَدْ لَزِمَتْنِي تَرَكْتُ قَوْلِي] .
وأقول يمكن أن يحمل معنى الْإضَافَة إلَى نوع ملابسة بين الْمُضَاف والْمُضَاف
إلى غير التملك، أَلَا [تَرَى] أنه يقال في حق دار استأجرها زيد من غيره أنه دار زيد وكفاك قول أئمتنا
رحمهم الله فيمن حلف أنه لا يدخل دار فلان فدخل دارًا استأجرها فلان إنه يحنث. فظهر من هذا
أن الْإضَافَة لا تدل عَلَى التملك، وكذا يمكن أن يحمل شراء عمر رضي الله عنه دار السجن عَلَى
البناء ويجوز أن يملك البناء مع أن العرصة والْأَرْض وقف. قوله وسواء خبر مقدم والْجُمْلَة مَفْعُول
ثانٍ إن جعل للناس حالًا من الهاء وإلا فحال من المستكن فيه أي وجملة(سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ
وَالْبَادِ)مَفْعُول ثانٍ لـ جعلنا إن جعل الظَّرْف المستقر وهو للناس حالًا من ضمير
الْمَفْعُول في جعلناه وإلا أي وإن لم يكن للناس حالًا بل مَفْعُولا ثانيًا لـ جعلنا تكون تلك الْجُمْلَة
حالا من الضَّمير المستكن الكائن في الطرف الذي هُوَ للناس، فالْمَعْنَى عَلَى الأول جعلنا المسجد
الحرام مستويًا فيه العاكف والبادي وكائنًا ذلك المسجد للناس وعلى الثاني جعلناه كائنًا للناس
مستوين فيه يستوي فيه العاكف والبادي ومعنى كونه للناس أن يكون معبدًا لهم أي جعلناه معبدًا
للناس. قوله ونصبه حفص عَلَى أنه الْمَفْعُول الثاني أو الحال أي نصب سواء حفص عَلَى أنه مَفْعُول
ثانٍ لـ جعلنا فـ [حِينَئِذٍ] يكون رفع العاكف عَلَى أنه فاعل سواء وإذا كان نصبه عَلَى الحالية من الهاء في
جعلناه يكون الْمَفْعُول الثاني الظَّرْف أعني للناس .