بعد خبر فلما ترك الخبر الأول أقيم الظَّاهر وهو الأبصار في قوله: (لا تعمى الأبصار)
مقام الضَّمير المستكن في قَوْله تَعَالَى: (لا تعمى) والتمييز قد
يكون معرفة. قوله وفي (تعمى) راجع إليه الخ. إشَارَة إلَى ما فصلنا .
قوله: (عن الاعتبار) متعلق بـ تعمى وعمى القلب مجاز عن عدم الاعتبار .
قوله:(أي ليس الخلل في مشاعرهم وإنما أيفت عقولهم باتباع الهوى والانهماك في
التقليد)شروع في توضيح ما هُوَ الْمُرَاد أي ليس الخلل في مشاعرهم أشار بالجمع إلَى أن
الْمُرَاد بهذه الآية إثبات الخلل في عقولهم ونفي الخلل عن حواسهم مُطْلَقًا سمعًا أو بصرًا
أو غير ذلك وكلمة لا لنفي المطلق الشامل للماضي لكن مراده نفي الخلل عن الحواس
بحسب الظَّاهر، وأما بحسب الباطن فهي مؤوفة أَيْضًا، أَلَا [تَرَى] قَوْلُه تَعَالَى:(صم بكم
عمي)الآية. بل خلل العقول ناش من خلل المشاعر. والحاصل إن ظَاهر
حواسهم موجودة، وأما المقصود منها فمفقود والْقُلُوب يراد بها العقول، ولذا قال: وإنَّمَا أيفت
عقولهم مع أنها ليست بمذكورة في النظم سوى الْقُلُوب وأيفت مجهول آفة إذا أصابه آفة
فهو مؤوف وهذا معنى تعمى الْقُلُوب .
قوله: (وذكر الصُّدُورِ للتأكيد ونفي التَّجَوُّز) إذ الْقُلُوب لا تكون إلا في الصدور
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وذكر الصدور للتأكيد ونفي التَّجَوُّز وفضل التَّنْبيه عَلَى أن العمى الحقيقي ليس
المُتَعَارَف الذي يخص البصر ليس مراده رحمه الله أن العمى حَقيقَة في الْقُلُوب ومجاز في
الأبصار كما هُوَ الْمُتَبَادَر من ظَاهر كلامه بل معنى كلامه هذا إن العمى المعتد به هُوَ عمى
الْقُلُوب لكونه أدخل في الضلال فألحق بالْحَقيقَة وإن كان مَجَازًا وعمى الأبصار بالنسبة إليه
ليس عمى لعدم الاعتداد به إذا كان القلب بصيرًا فألحق بالْمَجَاز وإن كان حَقيقَة فقوله ونفي
التَّجَوُّز معناه ونفي كونه تكلمًا بالْمَجَاز يعني لو اقتصر عَلَى ذكر الْقُلُوب لتوهم أن الْقُلُوب
مجاز، والْمُرَاد النفوس أو ما أشبهها فذكر في الصدور نفيًا لذلك. قال في الكَشَّاف: الذي قد
تعورف واعتقد أن العمى عَلَى الْحَقيقَة مكانه البصر، وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها
واسْتعْمَاله في القلب اسْتعَارَة ومثل فلما أريد إثبات ما هُوَ خلاف المعتقد من نسبة العمى إلَى
الْقُلُوب حَقيقَة ونفيه عن الأبصار احتاج هذا التصوير إلَى زيادة تعيين وفضل تعريف ليقرر أن مكان
العمى هُوَ الْقُلُوب لا الأبصار، كما تقول: ليس المضاء للسيف ولكنه لـ لسانك الذي بين فكيك. فقولك
الذي بين فكيك تقرير لما ادعيته لـ لسانك وتثبيت لأن محل المضاء هُوَ هُوَ بعينه تعمدًا. قال الزجاج:
جرى هذا عَلَى التَّأْكيد كما في قَوْله تَعَالَى: (يقولون بأفواههم) وقوله(ولا
طائر يطير بجناحيه)قال بعض الفحول من شراح الكَشَّاف رحمهم الله: إن التوكيد في
(يقولون بأفواههم) وفي (يطير بجناحيه) لتقرير معنى الْحَقيقَة وفي الْقُلُوب التي
في الصدور لتقرير معنى الْمَجَاز، وأن العمى مكانه القلب ألبتة وفي لفظ الفضل في قوله وفضل