لما عرفته من أمارات الكذب. قوله وإن صح الخ. إشَارَة إلَى منع صحته رواية لما قاله [القاضي]
عياض في الشفاء إنه لم يوجد في شيء من الكيف المعتمدة بسند صحيح. وقال إنه من
وضع الزنادقة وأكثر المحدثين عَلَى عدم صحته إلا ابن حجر فإنه قال في تخريج أحاديث
الكَشَّاف إنه صحيح روي في طرق عديدة. وهذا غريب جدًا لما عرفت من عدم تسلط
الشَّيْطَان كما ورد في حديث صحيح، وعدم جواز السهو في أمر الدين إلَى غير ذلك. فعلم
من ذلك أنه معارض بما يدل عَلَى عدم وسوسته له عَلَيْهِ السَّلَامُ وعدم جواز السهو في أمر
الدين قطعًا، والْإجْمَاع عَلَى عدم تكلم كلمة الكفر والأحاديث الدَّالَّة عَلَى ما ذكرناه قوي
يعمل به دون ما روي هنا، كما هُوَ مقتضى المعارضة فلا يعمل ولا يعتمد ما ادعاه ابن حجر
أنه صحيح أي غير موضوع. أو نقول عَلَى تقدير تسليم صحته ومساواته للأحاديث الدَّالَّة
على ما ذكرنا متنا وسندًا بحَيْثُ لا يرجح أحدهما عَلَى الآخر فهو محمول عَلَى التمثيل
حيث ساعد رسول الله عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمُشْركينَ حسبما اقتضاه الشرع القويم المتين فشبه تلك
الهيئة بهيئة قراءة تلك الغرانيق العلى الخ. فروى الرواة لفظًا المشبه به وأرادوا به المشبه
نظيره قَوْلُه تَعَالَى: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) قال المص وما روي عن ابن
عباس - رضي الله تَعَالَى عنهما - أن الرسل ظنوا أنهم أخلفوا ما وعد الله تَعَالَى لهم من النصر
إن صح فقد أراد المُبَالَغَة في التراخي والإمهال عَلَى سبيل التمثيل، وما ذكره المص من
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
يوحى) وقوله: (لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ) وقوله: (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى)
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَهِيَ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ فَقَالَ هَذَا وُضْعٌ مِنَ الزَّنَادِقَةِ وَصَنَّفَ فِيهِ كِتَابًا. وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بن الحسن الْبَيْهَقِيُّ هَذِهِ الْقِصَّةُ غَيْرُ ثَابِتَةٍ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ ثُمَّ أَخَذَ يَتَكَلَّمُ فِي أَنَّ رُوَاةَ هَذِهِ الْقِصَّةِ مَطْعُونٌ فِيهِمْ، وَأَيْضًا
فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَرَأَ سُورَةَ النَّجْمِ وَسَجَدَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَلَيْسَ فِيهِ حَدِيثُ الْغَرَانِيقِ.
وأما المعقول فكثير. منه أنا لو جوزنا ذلك
لارتفع الائتمان ولبطل قوله:(بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ
رِسَالَتَهُ)فإن الزّيَادَة في الوحي كالنقصان منه وقول من قال إنه - صلى الله عليه وسلم - لشدة حرصه عَلَى إيمان قومه
أدخل هذه الكلمة من عند نفسه ثم رجع عنها مردود لا يرغب فيه مسلم لما فيه من الخيانة في
الوحي والعياذ باللَّه. منها وقول من قال إنه سهو وسبق لسان مردود أَيْضًا لزوال الوثوق ولأن الساهي
لا يقع منه مثل هذه الألفاظ المسجعة المطابقة في السجع لألفاظ السُّورَة وقول القائل إنه تكلم
الشَّيْطَان بذلك من دون أَيْضًا لاحتمال أمثاله في سائر كلامه ولقَوْله تَعَالَى:(إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ).