تَعْبُدُونَ) كذا قيل. وفيه نظر لأن الْقَوْل صريحًا كان أو متضمنًا فيه قد
لا يقصد به الحكاية بل الذكر والنطق كما في (قُلْ يَا أَيُّهَا الكافرون) .
فحِينَئِذٍ يكون الخطاب الثاني من المخاطب الأول، ولا يخفى عدم صحته هنا والْقيَاس مع
الفارق لأن في قَوْله تَعَالَى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الكافرون) الخطاب من الرَّسُول
عَلَيْهِ السَّلَامُ، وأما الخطاب في قوله: (لَعَلَّكُمْ تذكرون) وغيره لا يصح
كونه منه عَلَيْهِ السَّلَامُ كما صح في تلك السُّورَة ولا يقصد به الحكاية فيلزم أن يخاطب في
كلام واحد اثنان بدون تثنية أو جمع أو عطف فالصواب أن الخطاب هنا ما يكون مخاطبًا
بالخطابات الآتية فالإفراد هنا لكونه خطابًا لغير معين فيعم كالجمع فللتنبيه عَلَى جواز
المسلكين أفرد الخطاب مرة وجمع أخرى.
قوله: (أو دونك أو نحوه) دونك ايسم فعل للإغراء والتحريض أي خذوا لزم سورة
الخ. وحاصله اتل واعمل بما فيها حذف اسم الْفعْل أجازه ابن مالك في قوله:
أيها المانح ولوى دونكا
أن يكون رلوى مَفْعُول دونك آخر مضمر وادعى أنه مذهب سيبَوَيْه ولهذا جوزه
الشيخان عَلَى أن الزَّمَخْشَريّ إمام في العلوم العربية جوزه وقدمه عَلَى تقدير اتل لأن فيه
مُبَالَغَة كما أشرنا.
قوله: (فرضنا ما فيها من الأحكام) ففي إيقاع فرضنا عَلَى السُّورَة مجاز عقلي
بملابسة الظرفية. قوله من الأحكام وهي شاملة للحدود، والفرض شامل للمنهي عنه لأن
النهي عن الشيء مستلزم للأمر بضده، والْمُرَاد بما فيها بمعظم ما فيها فلا إشكال بأن هذه
السُّورَة متصلة أَيْضًا عَلَى كثير من المباحات.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وفرضنا ما فيها من الأحكام. يعني إذ المفروض ليس نفس السُّورَة كما يوهمه ظَاهر
الآية. بل هُوَ ما فيها من الأحكام الشرعية متعلق الفرض إلَى ضمير السُّورَة من باب الاتساع والتعلق
المجازي لملابسة بينها وبين ما فيها باشتمالها عليه. قال الإمام: فرضناها أي وَفَرَضْنَا مَا بُيِّنَ فِيهَا، وإنما
قال ذلك لأن كثر ما في هذه السُّورَة من باب الأحكام والحدود. فقوله فرضناها بمنزلة براعة
الاستهلال لأن قوله: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد) إلَى آخر السُّورَة من
الأحكام كالتَّفْصيل ونحوه: (يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا أوفوا بالعقود) مع ذكر فيما بعده.