التراخي دلت عَلَى أنه لا يجب عليه الإتيان بالشهود عَلَى الفور انتهى. وهذا معلوم في الشرع ؛ إذ
عموم الشَّهَادَة كَذَلكَ فلا يحتاج إلَى التَّنْبيه عليه عَلَى أنه يوهم أن إتيان الشهداء عَلَى الفور لا
يحسن بل لا يصح ؛ إذ مقتضى التراخي الزماني ذلك ولم يجئ ثم لا يأتون بأربعة شهداء كما هُوَ
الظَّاهر ؛ إذ الجلد إنما يترتب عَلَى عدم إتيان الشَّهَادَة كونها ماضية بالنسبة إلَى الجلد لا المستقبل
فإن عدم إتيانها بالنسبة إلَى المستقبل إنما يتحقق في آخر العمر، وأَيْضًا لا يتصور أن يتأخّر عن
الجلد إتيان الشَّهَادَة في المستقبل، والْمُرَاد أربعة رجال خلص شهداء لأن التاء دلت عَلَى كون
الْمُرَاد الرجال واستدل الفقهاء بمثل هذه الآية عَلَى ذلك .
قوله:(والقذف بغيره مثل يا فاسق ويا شارب الخمر يوجب التعزير كقذف غير
المحصن)قيل فيه شِبْهُ مُصادَرة وليس بشيء لأنه ليس الْمُرَاد إثبات ما ذكر بهذه الآية بل
بيان أنه الْمُرَاد بعد تقرر ما ذكر في الشريعة انتهى. وجه كونه شِبْهُ مُصادرة هُوَ أن قوله:
يقذفونهن بالزنا في قوة قوله لا القذف بغير الزنا، فإنه يوجب التعزير ثم أخذه في الدليل
مصادرة بالنسبة إليه، وإنما قال شِبْهُ مُصادرة لأن ذلك في الدعوى غير مصرح به بل بطَريق
اللزوم، ولا يخفى ضعفه ؛ إذ لو صح هذا الاعتبار لتحقق شِبْهُ المصادرة في كثير من المواضع.
وجوابه عَلَى تقدير وروده أن قوله والقذف بغيره الخ. ليس من تتمة الدليل لأن الدليل يتم
بدونه، بل جواب سؤال مقدر وهو أي شيء يلزم بقذف غيره فأجاب بذلك وكذا يوجب
التعزير في قوله يا كافر عندنا، وأما عند الشافعي فإن قال ذلك بغير تأويل يوجب كفره وردته
لا التعزير كما نقل عن الروضة لحديث"من كفر مسلمًا بِغَيْرِ حَقٍّ فقد كفر"وفي المسألة بحث
شريف مبسوط في محله المنيف .
قوله:(والإحصان هَاهُنَا بالحرية والبلوغ والعقل والْإسْلَام والعفة عن الزنا ولا فرق
فيه بين الذكر والأنثى)هَاهُنَا احتراز عن الإحصان في الزاني ولا يشترط هَاهُنَا التزوج بنكاح
صحيح والوطء مع تحقق الشروط الخمسة .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: والإحصان هنا بالحرية والبلوغ والعقل والْإسْلَام والعفة عن الزنا. أي شروط الإحصان
في باب القذف هذه الأمور الخمسة اتفاقا بيننا وبين الشَّافعي رحمه الله، وأما في باب الرجم فستة
عندنا وخمسة عند الشَّافعيّ لأنا لا نشترط الْإسْلَام في الإحصان في باب الرجم والشَّافعي يشترطه .
قوله: ولا فرق فيه بين الذكر والأنثى. أي لا فرق بَيْنَهُمَا في إجراء هذا الحكم عليهما فإنه سواء
كان المقذوف رجلًا أو امرأة يجري عَلَى القاذف حكم القذف وهو الجلد ثمانين جلدة وإن ورد النص
في قذف النساء، وأما تَخْصيص النساء بالذكر وإن كان الحكم يعم المحصنين أَيْضًا فلخصوص الواقعة لا
لتَخْصيص الحكم بهن فلا يقتصر عَلَى مورده ولأن قذف النساء أغلب وأشنع فلكون قذفهن أغلب
وأشنع ورد إيجاب حكم الجلد ظاهرًا فيهن وهو أعم في حق النساء والرجال جَميعًا .