العموم مقتضى القاعدة وما ذكر من القرينة عَلَى التَّخْصِيص لشى بقوي لأن شهادتهم في
القذف تدخل تحت العموم دخولًا أوليًّا .
قوله: (ولا يتوقف ذلك على استيفاء الجلد خلافًا لأبي حنيفة) فإن عنده يتوقف
عدم قبول شهادتهم عَلَى استيفاء الجلد فيقبل شهادتهم قبل الجلد بعد القذف لأن تعلق
الْمَعْطُوف وهو لا تقبلوا لهم عَلَى الْجَزَاء وهو فاجلدوهم بالشرط وهو الَّذينَ يرمون
المحصنات بواسطة الْجَزَاء وفي دلائل الإعجاز جزاء الشرط قسمان جزاء للشرط ابتداء
كقولك: إن جاء زيد فأعطه واكسه وقسم يعتبر فيه جزاء بواسطة الْجَزَاء الأول كقولك: إذا
رجع الأمير استأذنت وخرجت. أي وإذا استأذنت خرجت فكون الخروج جزاء لرجوع
الأمير بواسطة الاستئذان ففي الْحَقيقَة الْكَلَام ينحل إلَى شرطين وجزاءين كما أشير
إليه فلأبي حنيفة رحمه الله تَعَالَى أن يقول: لما لم يرجح هنا أحد المَعْنَيَيْن عَلَى الآخر
والأصل قبول الشَّهَادَة وقع الشك في الرد فلا يرد بالشك لأنه أي عدم قبول شهادتهم
من جملة الحد المندرئ بالشبهات وعدم تسليم الخصم بذلك غير مضر لأن ما ذكرناه
من أن الْجَزَاء قسمان الخ. مقرر عند أرباب البلاغة وقد قرره النحرير في المطول مع أنه
من الأئمة الشَّافعية، وإنما ينفع ذلك أن أثبت أن ما نحن فيه من القسم الأول للجزاء
ودون إثباته خرط القتاد .
قوله:(فَإِن الأمر بالجلد والنهي عن القبول سيان في وقوعهما جوابًا للشرط لا ترتيب
بينهما فيترتبان عليه دفعة)وفيه منع قوي بسند جلي وقد عرفته آنفًا. قوله لا ترتيب
بَيْنَهُمَا إن أراد أنه لا ترتيب بَيْنَهُمَا قطعًا فمسلم لكن لا يضرنا وإن أراد أنه لا ترتيب بَيْنَهُمَا
ولو احتمالًا فغير مسلم والمستند ما سبق .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ولا يتوقف ذلك عَلَى استيفاء الحد خلافًا لأبي حنيفة رحمه الله. أي لا يتوقف رد
شهادتهم وعدم قبولها عَلَى استيفاء الجلد لأن قَوْلُه تَعَالَى: (فاجلدوهم) وقوله:
(ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا) جملتان واقعتان جزاء للشرط الذي هُوَ(يَرْمُونَ
الْمُحْصَنَاتِ)كل منهما جملة مستقلة بالجزائية له لا [تترتب] الثانية عَلَى الأولى بالفاء التعقيبية أو
بـ ثم حتى [تتوقف] هي عليها بل جاءت الثانية بالواو الجامعة لها مع الأولى في معنى الجزائية
للشرط الْمَذْكُور فيكون كل من هاتين جزاء مستقلًا مترتبًا عَلَى الشرط ابتداء بلا واسطة الأخرى
يكون كأن قيل: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) فلا تقبلوا
لهم شهادة أبدًا فيرد شهادتهم بمجرد القذف جلدوا أو لم يجلدوا، وهذا هُوَ قول الشَّافعي رحمه
الله، وأما أبو حنيفة رحمه الله فإنه يعتبر التعقيب اللفظي في عطف الْجَزَاء الثاني عَلَى الأول وإن
كان بالواو الجامعة ويقول ذكر النهي عن قبول شهادتهم عقيب الأمر بالجلد يدل عَلَى أن
الثاني يتوقف عَلَى الأول فلا يرد شهادتهم قبل أن يجلدوا .