الصفات حين اجتمعت لأن من اتصف بواحدة منها إذا استحقه كما هُوَ مقتضى كونها
صفات لمَوْصُوفات متغايرة فمن جمعها [كـ مِسطح] يكون بالطريق الأولى، وفيه أَيْضًا تأييد لما
قلنا لما كان النهي عن عدم الإيتاء مستلزمًا للأمر بالإيتاء لأجل هذه الصفات، ومعلوم أن
الحكم عَلَى المُشْتَق يفيد علية مأخذ الاشْتقَاق، قال أبلغ من المُبَالَغَة في تعليل المقصود
والْمُرَاد بالمقصود استحقاق الإيتاء لمن اتصف بهذه الصفات، وهذا الْكَلَام في غاية
الاختصار القريب إلَى الإخلال .
قوله: (عما فرط منهم. [وَلْيَصْفَحُوا] بالإِغماض عنه) ما فرط منهم أي من أولي القربى الخ.
والإغماض عدم فتح البصر كالغض وهذا كناية مَشْهُورة عن عدم المبالاة بما صدر منهم
والفرق أن العفو ترك عقوبة المذنب والصفح ترك تثريبه وعدم لومه وتوبيخه فهو أخص من
العفو وأبلغ في الإحسان .
قوله: (عَلَى عفوكم وصفحكم) قدره بقرينة ما قبله .
قوله: (وإحسانكم إلَى من أساء إليكم) مُسْتَفَاد من قوله أن يؤتوا، وهذا الاسْتفْهَام
كالعرض بمنزلة الأمر أي فأخبوا مغفرة اللَّه تَعَالَى بالعفو والصفح والإحسان إلَى المسيء
وهذا في غاية [اللطف] في الخطاب لأولي الألباب .
قوله: (والله غفور) لمن عصى ولم [يمتثل] أمره ولم ينته عن نهيه وتعدى حدوده .
قوله: (مع كعال قدرته فتخلقوا بأخلاقه) عَلَى انتقامه وأخذه. رحيم متفضل له
بأنواع الكرامات بعد عفوه فتخلقوا بأخلاق الله فاعْفُوا وَاصْفَحُوا ثم أحسنوا لَعَلَّكُمْ
تُفْلحُونَ فالْجُمْلَة تذييلية مقررة لما قبلها، والظَّاهر أن التَّعْبير بأخلاق الله للمشاكلة
والْمُرَاد أوصافه تَعَالَى.
قوله:(روي أنه عليه الصلاة والسلام قرأها على أبي بكر رضي الله تعالى عنه فقال: بلى أحب ورجع إلى مِسطح
نفقته)من الرجع المتعدي وكفَّر عن يمينه. وعدم ذكر الْكَفَّارة هنا لأن حكمها كان معلومًا
بقَوْلُه تَعَالَى: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ) الآية. وهذا قول
الْجُمْهُور وظهر ضعف من قال إنه يأتي بالذي هُوَ خير وذلك كفارته لأن الله تَعَالَى أمر أبا
بكر بالحنث ولم يوجب عليه الْكَفَّارة، وهذه الآية دلت عَلَى أن الحلف عَلَى الامتناع من
الخير غير جائز فمن حلف عَلَى ذلك يجب عليه الحنث كما فصل في الفقه والإشكال بأن
هذا لا يثبت إلا من حين النزول ولا يتعطف حكمه عَلَى ما قبله قد مَرَّ جوابه في آية اللعان
حاصله أن شمول الحكم لمن كان سببًا للنزول اتفاقي مع أنه واقع قبل النزول .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ورجع إلَى مِسطح نفقته أي نفقته التي كان ينفق عليه، وقال والله لا أنزعها منه أبدًا .