الْحَقيقَة لأنها أصل وإن كان الظَّاهر أن يكون الْمُرَاد هنا مَجَازًا ومن هَاهُنَا اختار صاحب
الكَشَّاف الْمَعْنَى المجازي كما قيل نظرًا إلَى قَوْله، والْمُرَاد به هنا في قُلُوبهمْ من سوء
الاعتقاد الخ. وبعضهم ذهب إلَى أن صاحب الكَشَّاف قائل بما ذهب إليه الْمُصَنّف ولعله
نظر إلَى قَوْله واسْتعْمَال المرض في القلب يجوز أن يكون حَقيقَة ومَجَازًا فالْحَقيقَة أن
يراد الألم كما يقال في جوفه مرض الخ. ثم قال ويتحرقون عليهم حَسَدًا الخ. والظاهر
هذا الاحتمال فإن قول الْمُصَنّف فإن قلوبهم متألمة تحرقًا عَلَى ما فات الخ. إشَارَة إلَى
الْمَعْنَى الحقيقي وهو بعينه مذكور في الكَشَّاف والْقَوْل بأن قوله الْمَذْكُور ليس إشَارَة إلَى
الْمَعْنَى الحقيقي له ضعيف فإن ما عداه من المقالات لا يصلح أن يكون مثالًا للمعنى
الحقيقي فلو لم يكن ذلك الْقَوْل بيانًا للمعنى الحقيقي له يكون تعرضه لبيان الْمَعْنَى
الحقيقي للعرض ضائعًا .
قوله: (فإن قلوبهم كانت متألمة) ظاهره أنه عند الألم من المرض كما هُوَ مسلك
الزَّمَخْشَريّ عَلَى ما هُوَ الظَّاهر من كلامه مع أنه قد عدل عن قول الكَشَّاف فحَقيقَة المرض
الألم فيما مَرَّ وهنا قد اعترف به وقد سمعت توجيه كلام الكَشَّاف وهو أن بين المرض
والألم اتصالًا لا تامًا بحَيْثُ لا يفارق المرض عن ألم ما فبهذا الاعتبار قيل إن كون حَقيقَة
المرض الألم فيه تسامح وتنبيه عَلَى فرط الملابسة بَيْنَهُمَا وله نظائر في كلامهم كتسمية
الألفاظ الإنشائية بأسامي معانيها حيث ذكر البيع والنكاح وأريد بهما الإيجاب والقبول لما
بَيْنَهُمَا من العلاقة القوية حيث لا يتخلف الْمَعْنَى عنه أصلًا صرح به مَوْلَانَا خسرو في درره
قال الإمام الْإنْسَان إذا ابتلي بالأخلاق [الرديئة] كالحسد والنفاق والكفر ودام به ذلك أداه إلَى
تغير مزاجه وقلبه انتهى. وهذا معلوم بالوجدان فمن أنكره ولم يفهم فليتهم وجدانه فقول
الشارحين للكشاف أنه لا يصح إرادة الْمَعْنَى الحقيقي وهو الحق الحقيق بالقبول رواية ودراية
ليس بشيء بل نقول اختيار الْمَعْنَى الحقيقي أحق بالقبول. أما أولًا فلأنه الأصل ولا داعي إلَى
العدول عنه، وأما ثانيًا فلأن فيه بيان رسوخ الْمَعْنَى المجازي للمرض لما عرفت من أن
المرض الحقيقي مسبب عن الْمَعْنَى المجازي له إذا كان دائمًا وراسخًا في القلب فتحقق
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
جمع وتفصيل ومن كلامه هذا يستفاد أن الألم مرض وفيه نظر لبيان الأعم سبب عن المرض لا
نفس المرض صرح به الإمام الرازي وقد أجابوا عنه بأن جعل الألم مسببًا عن المرض لا نفس
المرض إنما هُوَ من تدقيقات الأطباء وإلا فالألم نفس المرض لغة وقال الإمام أن الْإنْسَان إذا
صار مبتلى بالحسد والنفاق وشاهد المكروه ودام به فربما صار سببًا لتغير مزاج القلب وتألمه
قال أبو الطيب:
والهم يخترم النفوس مخافة ... ويشيب ناصية الصبي ويهرم