المسبب يستلزم تحقق السبب ففيه تكثير الْمَعْنَى بلفظ وجيز ولا تخفى متانته ورشاقته.
قوله: (تحرقًا عَلَى ما فات عنهم) للتحرق التفعل من الحرق وهو قطع الحديد بمبرد
الحديد فإن الحديد بالحديد [يفل] واسْتُعيرَ لحك بعضها ببعض حتى يسمع لها صوت وكنى
بها عن شدة الغيظ والغضب وهو الْمُرَاد هنا ولا بأس في حمله عَلَى حرق النَّار كما اشتهر
أن الحسد محرق كالنَّار وفيه إشَارَة إلَى سبب المرض الحقيقي وهو إحراق النَّار قلبه فيسوء
مزاجه بل يؤدي إلَى هلاكه فالعلة حصولية لا تَحْصيلية.
قوله: (من الرياسة) وفي هذا يشترك جميع الْكُفَّار لكن الْمُنَافقينَ لعدم إظهارهم ذلك
كان سببًا للمرض الحقيقي دون سائر الْكُفَّار.
قوله: (وحَسَدًا عَلَى ما يرون من ثبات أمر الرَّسُول صلى الله تَعَالَى عليه وسلم) من
قبيل عطف العلة عَلَى المعلول وإشَارَة إلَى المرض المجازي الذي يؤدي إلَى المرض
الحقيقي كما أشرنا إليه(واستعلاء شأنه يومًا فيومًا وزاد الله غمهم بما زاد في إعلاء أمره
وإشادة ذكره)فزاد الله تَعَالَى غمهم السبب المؤدي إلَى هلاكهم لزيادة سوء مزاجهم ذمر الله
تَعَالَى أمثالهم عن آخرهم وإشادة بالدال المهملة أي رفع ذكرهم واشتهار شأنهم حتى نزل
في علو حاله قَوْلُه تَعَالَى: (ورفعنا لك ذكرك) .
قوله: (ونفوسهم) عطف عَلَى قُلُوبهمْ ناظر إلَى الْمَعْنَى المجازي أي أرواحهم ومحل
معارفهم (كانت مؤونة بالكفر) وفي التَّعْبير بكانت مُبَالَغَة في شدة شكيمتهم واختلال
أنظارهم بحَيْثُ يكاد يمتنع إدراك الحق عنهم قوله (وسوء الاعتقاد) إما إن يراد به الكفر
للمُبَالَغَة في تقبيح حالهم والتسجيل عَلَى كفرهم بالإجمال والتَّفْصيل أو الأماني الفارغة
الزائغة قال الله تَعَالَى:(وَيُعَذّبَ الْمُنَافقينَ وَالْمُنَافقَات وَالْمُشْركينَ وَالْمُشْركَات الظَّانّينَ باللَّه
ظَنَّ السَّوْء)الآية. (ومعاداة النَّبيّ صلى الله تَعَالَى عليه وسلم ونحوها) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله. تحرقا من حرق الْإنْسَان سحقها حتى يسمع لها صرير وهو كناية عن شدة الغضب
ويجوز أن يكون بمعنى الاحتراق عَلَى ما هُوَ أصل اللغة وقد شاع جعل الحسد كالنَّار والحاسد
كالحطب في الاحتراق لكن وصله بـ على يؤيد الأول والثاني أنسب لمعنى المرض وإشادة ذكره من
قولهم أشاد بذكره أي رفع من قدره والإشادة رفع الصوت بالشيء.