خالقه في قلبه كسبًا أو بديهة أخره؛ إذ فيه تقدير كثير، وأَيْضًا لا يلائم قوله:(الله نور
السَّمَاوَات)الخ. قيل ورجحه الطيبي عَلَى غيره وقال إنه تفسير السلف ذاته
الأنسب بالمقام، ولا يظهر أنسبيته بالمقام لما عرفته من أن تمثيل الهدى هُوَ الأنسب بقوله
تَعَالَى: (الله نور السَّمَاوَات) ونقل البغوي عن كعب أنه قال: إنه مثل ضربه اللَّه
تَعَالَى لنبيه فالمشكاة صدره والزجاجة قلبه والمصباح ما فيه من الحكم، وعن الحسن
الشجرة المباركة شجرة الوحي يكاد زيتها يضيء يكاد الْقُرْآن يتضح وإن لم يقرأ أو شجرة
النبوة، فعلى هذا النقل الْكَلَام اسْتعَارَة تمثيلية ذكر اللَّفْظ المركب الموضوع للهيئة المشبه بها
وأريد الهيئة المشبهة وفيه احتمالات كثيرة ذكرت في التَّفْسير الكبير وأنت قد عرفت ما هُوَ
الأمس بالمقام والعلم عند الله الملك العلام فحِينَئِذٍ يقال التشبيه به أوفق من تشبيهه
بالشمس ووجهه ظَاهر.
قوله: (أو تمثيل لما منح الله تَعَالَى به عباده) قيل وهذا مبني عَلَى كلام الحكماء
ولذا قال الطيبي: إن المقام ينبو عنه فتركه أولى من ذكره انتهى. ولا يخفى عليك أن القوى
الخمسة الباطنة مما ذهب إليه بعض الْمُتَكَلّمينَ والْكَلَام مبني عليه والحواس الظَّاهرَة لا
كلام فيها أصلًا فهو مبني عَلَى كلام بعض الْمُتَكَلّمينَ لا عَلَى كلام الحكماء. نعم إنه بعيد
عن المقام لكنه ليس بمختص بهذا الوجه لما عرفت غير مرة من أن قَوْلُه تَعَالَى:(الله نور
السَّمَاوَات)يلائمه كون الْمَعْنَى مثل نوره مثل هداه وقَوْلُه تَعَالَى:(ولقد أنزلنا
إليك آيات بينات)يقتضي كون الْمَعْنَى ذلك لأنه إذا كان الْمُرَاد بقوله مثل
نوره. أي مثل هداه وبيانه كان مطابقًا لما قبله.
قوله: (من القوى الداركة الخمس المترتبة التي ينوط بها المعاش والمعاد) بعض
القوى ليس بدراك كما يظهر من تقريره ففي الْكَلَام تَغْليب الخمس المترتبة لأن الحس
المشترك في مقدم البطن الأول من الدماغ والخيال في مؤخره والْقُوَّة الوهمية في البطن
الآخر من الدماغ وفي مقدمه والْقُوَّة الحافظة في مؤخره ومحل المتخيلة المتفكرة هُوَ الدودة
الحاصلة في وسط الدماغ الموضوعة بين البطنين هذا البيان موافق لما هُوَ الْمَشْهُور عندهم
لكن المص ذكر هنا الْقُوَّة الْعَقْليَّة والْقُوَّة القدسية بدل الْقُوَّة الوهمية والحافظة فحِينَئِذٍ
الترتيب يظهر من تقرير المص فتأمل فاتضح معنى قوله المترتبة التي ينوط بها المعاش
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أو تمثيل لما منح الله تَعَالَى عباده من القوى الداركة والتركيب في هذا التشبيه ظَاهر
ولذا عبر عنه بالتمثيل وحمله عَلَى التشبيه المفرق جائز جوازًا مرجوحًا لكن حمله عَلَى التركيب
أدخل في البلاغة.