والمعاد فإن الإدراك الجزئية المتعلقة بالأمور الجزئية مثل الحرفة والتجارة إنما يكون بتلك
القوى فصلاح المعاش منوط بها، وأما كون صلاح المعاد منوطًا بها فلأن الأحكام الخمسة
المتعلقة بالأفعال الجزئية إنما يعرف العقل بواسطتها .
قوله: (وهي الحساسة النَّبيّ تدرك المحسوسات بالحواس الخمس) أي الْقُوَّة
الحساسة وهي الحس المشترك وهي الْقُوَّة التي ترتسم فيها صور الجزئيات المحسوسة
بالحواس الخمسة الظَّاهرَة التي كالجاسوس [فتطالعها] النفس فتدركها، ولما كانت هذه
الْقُوَّة آلة للنفس سميت مدركة، فقوله التي تدرك المحسوسات مجاز في الإسناد أو بناء
على أنها مدركة دون النفس .
قوله: (والخيالية التي تحفظ صور تلك المحسوسات) إشَارَة إلَى ما ذكرنا من
أن بعض القوى ليس بدراك فالْقُوَّة الخيالية هي التي تتخيل صور المحسوسات بعد
غيبتها وتحفظها .
قوله: (لتعرضها عَلَى الْقُوَّة الْعَقْليَّة متى شاءت) لتعرضها أي لتعرض تلك الْقُوَّة
الخيالية المحسوسات المدركة عَلَى الْقُوَّة الْعَقْليَّة لكن لا نفس المحسوسات بل ما تشتمل
تلك المحسوسات عليها من المعقولات سيجيء الإشَارَة إليه في قوله والخيالية كالزجاجة
إلَى قَوْله بما يشتمل عليها من المعقولات فاندفع توهم المنافاة بين هذا أو بين قوله والْقُوَّة
الْعَقْليَّة الني تدرك الحقائق الكلية .
قوله: (والْقُوَّة الْعَقْليَّة التي تدرك) عطف عَلَى الخيالية وعدها من الحواس الباطنة
وهو غير متعارف والمُتَعَارَف الْقُوَّة الوهمية والْقُوَّة الحافظة ولم يذكرهما، ولعل السر أن في
الآية لم يذكر شيء يناسب كونه مشبهًا به لهما كما سيجيء .
قوله:(والمفكرة وهي التي تؤلف المعقولات لتستنتج منها علم ما لم تعلم، والقوة
القدسية التي تتجلى فيها لوائح الغيب وأسرار الملكوت)وهي التي تأخذ المعارف الْعَقْليَّة
فتؤلفها فتنتج من تأليفها علما بالمجهول كذا قاله الإمام. وخلاصة ما قاله المص والمفكرة
وهي التي الخ. والْقُوَّة الفكرية تنقسم إلَى ما تحتاج إلَى تعليم وتنبيه وإلى ما لا تحتاج إليه
ولا بد من هذا القسم قطعًا للتسلسل فبالحري أن يعبر عن هذا القسم لكماله وصفائه وشدة
استعداده بأنه (يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ) وهي الْقُوَّة القدسية كما
قاله الإمام: وإلى هذا أشار المص بقوله والْقُوَّة القدسية الخ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وهي الحساسة. أي وهي الحواس الخمس الظَّاهرَة المدركة بالمحسوسات كالسمع
والبصر والذوق والشم واللمس .