فهرس الكتاب

الصفحة 704 من 10841

قوله: (أو من كذب الذي هُوَ للمُبَالَغَة أو للتكثير) عطف عَلَى قوله من كذبه الذي هو

المتعدي أشار إليه بذكر الضَّمير هناك وتركه هنا فيكون لازمًا موافقا لقراءة التخفيف

والمخالفة باعْتبَار المُبَالَغَة وعدم اعتبارها والتكثير كَذَلكَ، ولما كان ذلك غير مَشْهُور أيده

بقوله (مثل بين الشيء) بمعنى بانَ وتبين تبينًا تامًا كاملًا نظير الأول (وموتت البهائم) أي

مات البهائم الكثيرة هذا نظير الثاني والمُبَالَغَة في الكَيْف والتكثير في الكم وتغايرهما ظاهر

والمُبَالَغَة في الكذب تقويته بالأيمان الفاجرة كما حكى الله عنهم في الآيات العديدة

والتكثير باعْتبَار كثرة الكاذبين وفيه نوع خفاء؛ إذ لا كثرة في الْمُنَافقينَ كثرة البهائم الأموات

أو باعْتبَار كثرة الكذب نفسه لصدوره منهم في عموم أوقاتهم كطوف زيد الكعبة لكن مثاله

يلائم الأول.

قوله: (أو من كذب الوحشي إذا جرى شوطًا ووقف لينظر ما وراءه) فحِينَئِذٍ لا يكون

من الكذب المقابل للصدق بل بمعنى النحير والتردد والظَّاهر أنه حَقيقَة فيه. وقيل إنه مجاز

مأخوذ من كذب المتعدي كأنه يكذب رأيه وظنه فيقف لينظر ما وراءه ولما كثر اسْتعْمَاله في

هذا الْمَعْنَى وكانت الخ. حالة الْمُنَافقينَ شبيهة بهذا جاز أن يستعار منه لها انتهى. ولا يخفى

ضعفه إن اسْتعْمَاله فيما لا يتصور الكذب والظن فيه كالوحشي لا يريه.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *

قوله: أو من كذب الذي هُوَ للمُبَالَغَة أو التكثير أي أو من كذب الذي هُوَ مُبَالَغَة في كذب

كما بولغ في صدق فقيل صدق ونظيرهما بأن الشيء وبين وفي المثل قد بين الشيء لذي عينين.

قوله: مثل بين الشيء وموتت البهائم لف ونشر فإن بين الشيء مثال للمُبَالَغَة في البيان

وموتت البهائم مثال للتكثير، والْمُرَاد بالتكثير هَاهُنَا تكثير الْفعْل أي يكذبون كذبًا كثيرًا ويَفْعَلُونَ ذلك

مرارًا كثيرة، والفرق بين المُبَالَغَة والكثرة أن المُبَالَغَة لا تقتضي تعدد الْفعْل والكثرة تقتضي أفعالًا

متعددة كموتة البهائم أي كثر موت البهائم هكذا قَالُوا وأقول الكثرة لا تنافي المُبَالَغَة فإن اعتبرت

المُبَالَغَة بحسب الكَيْف فهو الوجه الأول وإن اعتبرت بحسب الكم فهو الوجه الثاني وقد جاء

صرف معنى المُبَالَغَة في لفظ موضوع للمُبَالَغَة إلَى كل واحد من هذين المَعْنَيَيْن عَمَّا ذكر صاحب

الكَشَّاف في سورة مريم في تفسير قَوْلُه تَعَالَى: (إنَّهُ كَانَ صدّيقًا نَبيًّا) الصّدّيق من

أبنية المُبَالَغَة ونظيره الضحيك والتطبق، والْمُرَاد كثرة ما صدق به من غيوب الله وآياته وكتبه ورسله

أو كان بليغًا في الصدق لأن ملاك أمر النبوة الصدق فعطف التكثير عَلَى المُبَالَغَة بأو الفاصلة ليس

كما يَنْبَغي.

قوله: أو من كذب الوحشي إذا جرى شوطًا أي طلقًا وإسراعًا في المشي فعل هذا هو

اسْتعَارَة مصرحة تبعية واقعة عَلَى طريقة التمثيل لقوله فإن المنافق متحير ومتردد شبه حال المنافق

في تحيره وتردده بين الديينن بحال الوحشي المتردد بين الفرار والوقوف فاستعمل في الحال الأولى

لفظ موضوع للحالة الثانية لقولهم كذب الوحشي مأخوذ من كذب الذي بمعنى التعدية كأنه تَكْذيب

نفسه وظنه فيقف لينظر ما وراءه، ولما كان حاله دائرًا بين تَكْذيب طه وتصديقه وهو تردد لجهما

شبه بحاله حال المنافق المذبذب المتردد بين الدينين فاستعمل في المشبه ما هُوَ موضوع للمشبه به

على وجه الاسْتعَارَة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت