لدفع ضرر فهو عين ما قاله القيل وما نقله عن الغزالي والنووي يؤيد ذلك بل مصرح في
موضعه إن الكذب حرام في جميع الأديان غايته أنه قد يكون جائزًا لضرورة كأكل الميتة
ولحم الخنزير فإنه جائز لوقت الاضطرار فهل يمكن لأحد أن يقول أكل الميتة مثلًا قد
يكون حراما وقد يكون جائزا حتى يكون واجبًا من حيث ذاته فما معنى قوله إن هذا الْقَوْل
وهم عَلَى وهم مع أنه در عَلَى حرير وهذا أمر يتحير منه العاقل النحرير، وأَيْضًا قوله مبني
على الاعتزال خروج عن الاعتدال لأن الْمُصَنّف وجميع أهل السنة يحكمون عَلَى قبح
الكذب بحكم الشرع والمعتزلة يحكمونه بالعقل فمن أين يعرف من حكمه بقبحه وحرمته
أنه بني عَلَى مذهب المعتزلة ولا أعرف خلافًا فيما ذكرناه من أن الكذب حرام من حيث
ذاته بلا عارض مبيح له وجائز عند مساس الحاجة كبعض سائر المحرمات وقوله وما روي
أن إبْرَاهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ الخ. فيه إشَارَة إلَى أن المعاريض حين أبيح الكذب أولى من صريح
الكذب ومن هَاهُنَا قيل إن المعاريض لمندوحة عن الكذب مع التَّنْبيه عَلَى جواز الكذب
وقت الضرورة .
قوله: (لأنه علل به استحقاق العذاب حيث رتب عليه) وهذا إشَارَة إلَى اختيار كون
الباء في (بما كانوا يكذبون) للسببية ؛ إذ انفهام التعليل من كونها للبدلية مشكل
وهذا ظَاهر عَلَى قراءة عاصم وحمزة والكسائي، وأما عَلَى قراءة الباقين بناء عَلَى أنهم كاذبون
في تَكْذيبهم هذا ؛ إذ لولاه لما علل استحقاق العذاب بالكذب، وأما الحال في كثرة كذبهم
فخالٍ عن الإشكال، وأما ترددهم في الدين وتحيرهم فراجع إلَى التَّكْذيب كما لا يخفى عَلَى
اللبيب وهذا إشَارَة إلَى ما ذكره صاحب الكَشَّاف وتخييل أن العذاب لاحق بهم من أجل
كذبهم ونحوه قَوْلُه تَعَالَى: (ممَّا خَطيئَاتهمْ أُغْرقُوا) الآية. الخ. وفيه تحريض
للْمُؤْمنينَ عَلَى ما هم عليه من الصدق والتصديق بسَبَب أن ترتب العذاب عَلَى الكذب دون
النفاق الذي هُوَ أخبث الكفر تغليظ اسم الكذب وبيان كمال سماجته وفيه مُبَالَغَة في الزجر عنه
وترغيب إلَى الانزجار وضمير رتب عليه راجع إلَى الكذب الْمَذْكُور وهو كذب الرَّسُول عليه
السلام وهو أعظم أنواع الكذب تبعًا بعد الكذب عَلَى الله تَعَالَى وعلى رسوله عَلَيْهِ السَّلَامُ وفهم
قبح سائر الكذب ما لم تمس الحاجة إليه ولهذا قال الْمُصَنّف وهو حرام كله مع أن ترتب
العذاب عَلَى كذبهم عَلَى الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ ونفاقهم، والْمُرَاد بترتبه عليه أنه مسبب عنه .
قوله: (وما روي أن إبْرَاهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ) جواب سؤال مقدر بأن الكذب لو كان
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: علل به استحقاق العذاب لم يقل ثبوت العذاب مع أن معنى قوله: (ولهم عذاب)
بثبوت العذاب لهم لأن العذاب الأليم ليس ثابتًا لهم وقت الْإخْبَار به بل ذلك في
الْآخرَة، وإنما لهم في هذه النشأة الأولى استحقاق العذاب وهذا هُوَ الْمَعْنَى بقوله في تفسير(ولهم
عذاب عظيم)وعيد وبيان لما يستحقونه .
قوله: وما روي أن إبْرَاهيم كذب ثلاث كذبات الخ. هذا جواب لما عسى يسأل ويقال: إذا كان
الكذب كله حرامًا فَكَيْفَ كذب إبْرَاهيم كذبات ثلاثة الأولى قوله: (إنّي سَقيم)