قوله: (والفساد خروج الشيء) أي الموجود (عن الاعتدال) سواء كان مؤديًا إلَى
الفناء أو لا والأول كقَوْله تَعَالَى: (لَوْ كَانَ فيهمَا آلهَة إلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا)
والثاني الأشياء التي لا تصلح للانتفاع المقصود منه مع بقاء ذواتها كالفواكه والأطعمة
الخارجة عن الانتفاع المقصود منها وهذا هُوَ الْمُرَاد من الاعتدال، وأما قَوْلُه تَعَالَى:(إنَّ اللَّهَ
لَا يُصْلحُ عَمَلَ الْمُفْسدينَ)فكون الْمُرَاد به عمل السحرة راجع إلَى ما ذكر
بناء عَلَى كون السحر مؤديًا إلَى الفساد لا أنه معنى آخر كما ذهب إليه صاحب اللباب هذا
معناه اللغوي ويقرب منه البطلان. والفقهاء يفرقون بَيْنَهُمَا في المعاملات دون العبادات وفي
اللباب والقائم مقام الْفعْل هُوَ الْجُمْلَة من قوله: (لا تفسدوا) لأنه هو
المقول في الْمَعْنَى واختاره الزَّمَخْشَريّ والتقدير وإذا قيل لهم هذا الْكَلَام وهذا اللَّفْظ فهو
من باب الإسناد اللفظي. وقيل القائم مقام الْفَاعل ضمير تقديره وإذا قيل لهم هُوَ ويفسر هذا
المضمر سياق الْكَلَام كما فسره في قوله (حَتَّى تَوَارَتْ بالْحجَاب) . والْمَعْنَى
وإذا قيل لهم قول سديد فأضمر هذا الْقَوْل الْمَوْصُوف وجاءت الْجُمْلَة بعده مفسرة فلا
مَوْضع لها من الإعراب فقوله: (لا تفسدوا) في محل رفع عَلَى ما اختاره
الزَّمَخْشَريّ ولا محل لها عَلَى قول أبي البقاء، وإنَّمَا ذهب إليه لأن الْفعْل لا مساغ له لأن
يسند إلَى الْفعْل وأجاب الزَّمَخْشَريّ بأنه إسناد له إلَى لفظه والممتنع إسناده إلَى معنى الفعل
كأنه قيل وإذا قيل لهم هذا الْقَوْل وفيه تأمل فتدبر وتفصيل هذا المقام قد مَرَّ في تفسير
قَوْلُه تَعَالَى: (أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذرْهُمْ) الآية.
قوله: (والصَّلَاح ضده) بينه هنا مع أن محله بعد قوله: (إنَّمَا نَحْنُ مُصْلحُونَ) لكونه
ضده ولتناسبهما بالتضاد بينه عقيبه وهو الحضور عَلَى الحالة المستقيمة النافعة كما في
الكَشَّاف فحِينَئِذٍ الضد اصْطلَاحي ومقتضى كلام الْمُصَنّف أن الصَّلَاح عدم خروج الشيء عن
الاعتدال فالْمُرَاد بالضد [حِينَئِذٍ] لغوي أي مطلق التقابل قَوْلُه تَعَالَى (في الْأَرْض)
الظَّاهر أن الْمُرَاد أرض المدينة لكن لا حاجة إلَى ذكرها؛ إذ إفساد الكفرة لا يكون إلا في
الْأَرْض وعن هذا قيل إن ذكره للدلالة عَلَى الاسْتغْرَاق لكنه ادعاء بأن تعظيم الشريعة والرَّسُول
عَلَيْهِ السَّلَامُ والْمُؤْمنينَ كأنه سبب صلاح في جميع الْأَرْض والإفساد الضار بهم كأنه ضار
بالدُّنْيَا كلها وللتنبيه عَلَى ذلك ذكر في الْأَرْض مع الاستغناء عنه ويقرب منه ما قيل وجعل ما
عدا أرض المدينة لتمحض الكفر فيها؛ إذ ذاك ملحق بالعدم وأرضها كأنها أرض الدُّنْيَا بأسرها
لتحقق ما هُوَ المقصود من الْأَرْض فيها وهو التعبد فيها والتجنب عن المعاصي ولهذا السر