قوله:[(وأصله أأضللتم أم ضَلُّوا فغير النظم ليلي حرف
الاسْتفْهَام)]وأصله أي أصل النظم بمقتضى الظَّاهر ؛ إذ الظَّاهر السؤال عن الإضلال والضلال
على سبيل الإنكار فأصله بناء عَلَى الظَّاهر أأضللتم أم ضلوا فغير النظم الخ.
قوله: (المقصود بالسؤال وهو المتولي للفعل دونه لأنه محقق لا شبهه فيه) المقصود
بالسؤال أي السؤال ظاهرًا. قوله وهو المتولي أي الْفَاعل للفعل دونه دون الْفعْل لأنه محقق
لا شبهة فيه. أي الْفعْل وهو الضلال، وأما الإضلال فلا يكون واقعًا بل الواقع الضلال لكن
الإضلال واقع تنزيلًا فلا شبهة في وقوعه تنزيلًا كما لا شبهة في وقوع الضلال تحقيقًا لأن
المتولي للفعل في الأول الذي سئل عنه منزهون عن الإضلال فقصر الْفعْل عَلَى الضلال من
القصور لأن مراده توجيه الْكَلَام في الموضعين ففي الأول الْفعْل هُوَ الإضلال، وبهذا البيان
اندفع الإشكال بأن كلامه منتظم للثا في فقط واعتراض بعض الناظرين .
قوله: (وإلا لما توجه العتاب) فتوجه العتاب دليل عَلَى أن الْفعْل مسلم والمسئول
عنه هُوَ الْفَاعل وقد تقرر في علم الْمَعَاني أن ما يلي الهمزة هُوَ المسئول عنه، وأنت خبير
بأن هذا إذا كان الْفعْل مسلمًا غير منكر مثل قَوْلُه تَعَالَى: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ)
والقسمة واقعة في نفس الأمر لكن فاعلها هُوَ الله تَعَالَى دونهم واعتبار هذا
هَاهُنَا ليس بصحيح ؛ إذ الضلال منكر إنكارًا واقعيًا وإن كان موجودًا في نفس الأمر، وأما
القسمة مثلًا فهي واقعة في نفس الأمر وغير منكر ولا يدري وجه ما قاله الشيخان وتبعهما
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وأصله [أأضللتم] أم ضلوا الخ. يعني أن أصل الْكَلَام أن يقال أأضللتم أم ضلوا لأن
الاسْتفْهَام بالْفعْل أولى لكن غير الأصل فقدم المسند إليه وهو أنتم وهم وأدخل حرف الاسْتفْهَام
عليه دلالة عَلَى أن أصل الْفعْل وهو الإضلال والضلال معلوم الحصول موجود محقق لا حاجة إلَى
أن يسأل عن وقوعه وحصوله ؛ إذ لولا وجوده لما توجه هذا العتاب لفاعله، وإنما الْمُرَاد بالاسْتفْهَام
السؤال عن فاعل ذلك الْفعْل الموجود من هو، ولما كان المقصود بالاسْتفْهَام فاعل الْفعْل لا نفس
الفعل أولى المقصود الهمزة حتى يعلم أنه هُوَ المسئول عنه لا الْفعْل وليس الْمُرَاد حَقيقَة الاسْتفْهَام
والسؤال لتقدس ذاته تعالى عن الجهل بالأشياء واستعلامها لإحاطة علمه بالكل، وإنَّمَا الْمُرَاد به
التقريع والعتاب للضالين وفي ضمنه إنكار الْفعْل لأن الْفَاعل إنما يستحق العتاب لكون فعله منكرا
مستوجبًا للمعاتبة. فإن قيل: التقريع والعتاب يكونان بالخطاب وتوجيه الْكَلَام إلَى من عوتب له شفاها
والمعاتبون هنا غيب حيث قيل: أم هم ضلوا السبيل؟ قلنا يجوز أن يكون المعاتبون [حضورًا] مستمعين
عند توجيه هذا الخطاب إلَى معبوديهم بقوله: (أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ) فإنه
إذا خوطب بعض من الجماعة الحاضرين لكلام يكون الباقي من ذلك في حكم الغائب وإن كانوا
حاضرين عند المخاطب بذلك الْكَلَام، ويجوز أن يكون نكتة الاسْتفْهَام والسؤال استنطاق معبوديهم
[ليخروا] عَلَى وجوههم بأنهم ضلوا من عند أنفسهم بترك النظر الصحيح والتدبر في الآيات التي
جاءتهم عَلَى أيدي السفرة الرسل الكرام لا من إضلالنا إياهم فيسمعوا ذلك من ألسنة معبوديهم فلا
يأتوا بعذر باطل بأن يقولوا إنا إذا خلينا وأنفسنا لم نكن نختار الضلال عَلَى الهدى، ولكن هَؤُلَاء
أضلونا. فأشار رحمه الله إلَى هذا الوجه بقوله وتبكيت للعبدة .